اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 14
وسط انشغالات الحياة اليومية، ينسى كثيرٌ من الناس أن كل لحظةٍ يعيشونها تُكتب، وكل كلمةٍ ينطقون بها تُسجَّل، وكل عملٍ يصدر عنهم محفوظٌ بدقةٍ لا تعرف الخطأ ولا النسيان.
 هذا المعنى العميق تجلّيه آيةٌ عظيمة من كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ۝ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (الإسراء: 13–14)
اقرأ كتابك فإنه ليس كتابًا يُؤلَّف بعد الموت، بل هو سجلٌّ يُكتب الآن، في هذه اللحظة، مع كل تصرّفٍ وهمسةٍ. وعندما يأتي يوم الحساب، لا يُطلب منك شهودٌ ولا براهين؛ بل يُقال لك ببساطةٍ: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)
إنها صحيفة الأعمال التي سيجدها الإنسان يوم القيامة مفتوحةً أمامه، لا تخفى فيها خافية، ولا تُطوى فيها صفحة.
قال ابن كثير- رحمه الله: قوله تعالى: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ بأن المقصود عمل الإنسان، من خيرٍ أو شر، قد أُلزم به ملازمة القِلادة للعنق، لا ينفك عنه.
وذكر الإمام الطبري – رحمه الله – أن العرب كانت تعبّر بـ “الطائر” عن الحظ والنصيب، فجاء التعبير القرآني ليؤكد أن نصيب الإنسان الحقيقي هو ما قدّمه بيده.
وذكر القرطبي – رحمه الله – أن معنى “يلقاه منشورًا” أي مفتوحًا ظاهرًا، يراه صاحبه واضحًا لا لبس فيه, إنها دقّة الحساب الإلهي؛ فلا تُنسى كلمة، ولا تُهمَل نظرة، ولا يضيع معروف.
وعن هذا الكتاب يقول تعالى في موضع آخر: ﴿مَا لِهَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (الكهف: 49)، فقد أكّد القرآن الكريم أن هناك ملائكةً موكّلين بكتابة كل شيء: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۝ كِرَامًا كَاتِبِينَ ۝ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: 10–12)، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (ق: 18)، إنها رقابة ربانية دقيقة، لكنها عادلة، لا تظلم أحدًا مثقال ذرة.
وأشدّ ما في المشهد قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾، فلا يحتاج الإنسان يومها إلى شاهدٍ من خارجه؛ فهو يقرأ بنفسه تفاصيل عمره، ويقرّ بما عمل، قال ابن كثير – رحمه الله: يُقال له ذلك على سبيل العدل التام، فيكون هو الحسيب على نفسه.
إنها لحظة صدقٍ مطلق؛ تسقط فيها الأعذار، وتنكشف الحقائق، ويظهر ما كان خافيًا.
فاعلم أيها القارئ الكريم: أن الكتاب المنشور ليس قصةً غيبية بعيدة، بل حقيقة تتشكل الآن، فكل يومٍ يُضاف سطرٌ جديد، وكل موقفٍ يُسجَّل، فقد ينسى الإنسان ما قال وفعل، لكن صحيفته لا تنسى.
ولذلك كان السلف يقولون: “حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا”، فمراجعة النفس في الدنيا أهون من قراءة كتابٍ مثقلٍ بالتفريط يوم القيامة.
” اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا” مشهدٌ قرآني يهزّ القلب ويوقظ الضمير، إنه إعلانٌ صريح بأن العدالة الإلهية قائمة، وأن الإنسان مسؤول عن كل لحظةٍ عاشها.
فليكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عنا: كيف سيكون كتابي إذا لقيتُه منشورًا؟
فبين أيدينا اليوم فرصةٌ لكتابة صفحاتٍ بيضاء، تمتلئ خيرًا وصدقًا وإحسانًا، قبل أن يأتي يومٌ يُقال فيه لكل واحدٍ منا: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾.
فطوبى لمن ملأ صحيفته نورًا وعدلًا وإحسانًا، وجعل من أيامه زادًا ليوم الحساب؛ وحسرةٌ على من أضاع الصفحات فيما لا يبقى.
وما دامت الأنفاس تتردد، فالكتاب ما يزال يُكتب… والفرصة قائمة، والباب مفتوح، ليكون في صحائفنا ما نحب أن نلقاه منشورًا بين يدي الله.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط