منجم ذهب الأمة وقت الفجر بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 467

وقتُ الفجر ليس مجرّد لحظةٍ عابرة بين ليلٍ انقضى ونهارٍ يبدأ، بل هو منجمُ ذهبٍ حقيقيّ للأمّة كلّها؛ منجمٌ تُستخرج منه البركة، والقوّة، وصفاء الروح، وانطلاقة العمل.

 ففي تلك اللحظات الهادئة، حين يسكن الضجيج وتصفو السماء، تتنزّل الطمأنينة على القلوب، ويتهيّأ الإنسان لبدايةٍ مختلفة.

ولما لا وهو وقت التحوّل من الظلام إلى النور، ومن السكون إلى الحركة، ومن الأحلام إلى الإنجاز.

فما أجمل أن تبدأ الأمّة يومها بالصلاة والدعاء، فتُكتب لها البركة في الوقت والعمل.

ففي الوقت الذي يغطّ فيه كثيرون في نومٍ عميق، تستيقظ فئة أراد الله لها الخير لتستقبل لحظة تُعدّ من أثمن لحظات اليوم (وقت الفجر).

فهذا التوقيت المبكّر، لم يعد مجرد موعد لأداء صلاة، بل أصبح محورًا للحديث عن فوائده الدينية والصحية والنفسية والإنتاجية، فهو في الحقيقة منجم ذهب يومي يمكن أن يغيّر نمط حياة الأفراد والمجتمعات.

فقد أقسم الله تعالى بالفجر في كتابه الكريم في سورة (الفجر)، قال الله تعالى: “والفجر“، وكأنّ في هذا القسم تنبيهًا إلى عِظَم شأنه ومكانته، قال الشيخُ السعديُّ رحمه الله: (أقسمَ تعالى بالفجر، الذي هو آخر الليل ومُقدِّمة النهار، لِما في إدبار الليل وإقبال النهار من الآيات الدالة على كمال قدرة الله تعالى، وأنه وحده المدبِّر لجميع الأمور، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ويقعُ في الفجر صلاةٌ فاضلةٌ مُعظَّمة) انتهى.

وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وردت الإشارة إلى بركة هذا الوقت، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “اللهم بارك لأمتي في بكورها”.

ولا شك أن المحافظة على صلاة الفجر جماعة تعزز الانضباط الذاتي، وتمنح الإنسان طاقة روحية عالية لبقية يومه، حيث يبدأ يومه بذكرٍ وخشوعٍ وصفاء قلب.

قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجنَّةَ) متفق عليه، والبردان: صلاتا العصر والفجر.

وقال صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يَلِجَ النارَ أَحَدٌ صلَّى قبلَ طُلُوعِ الشمسِ وقبلَ غُرُوبِهَا) يَعني الفَجْرَ والعَصْرَ رواه مسلم.

والله عز وجل يُباهي بالمحافظين على صلاة الفجر الملائكة، قال صلى الله عليه وسلم: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ ملائِكةٌ بالليلِ وملائكةٌ بالنهارِ، ويَجتَمِعُونَ في صلاةِ العَصْرِ وصلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الذينَ باتُوا فيكُم، فَيَسْأَلُهُمْ وهُوَ أَعْلَمُ بهِم: كيفَ تَرَكْتُم عِبادِي؟ فيقُولُونَ: تَرَكْنَاهُم وهُمْ يُصَلُّونَ، وأتَيْنَاهُمْ وهُم يُصَلُّونَ) متفقٌ عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: (عَجِبَ رَبُّنا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثارَ عَن وِطَائِهِ ولِحَافِهِ مِن بينَ حِبِّهِ وأَهْلِهِ إلى صلاتِهِ، فيَقُولُ اللهُ جَلَّ وعلا لِملائِكَتِهِ: انظُرُوا إلى عَبْدِي ثارَ عَن فِرَاشِهِ ووِطائِهِ مِن بينَ حِبِّهِ وأهلِهِ إلى صلاتِهِ رَغْبَةً فِيما عِندِي وشَفَقَةً مِمَّا عِندِي) الحديث رواه ابن حبان وحسنه الألباني.

وكما نعلم أن ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع في صلاة الفجر، قال صلى الله عليه وسلم” وتَجْتَمِعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ في صلاةِ الفَجْرِ”، قالَ أبو هُريرةَ: اقرَءُوا إن شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ الإسراء: 78 رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم.

واعلم أيها القارئ الكريم: أنَّ من صلَّى الفجر في المسجد فهو في ذِمَّة الله، فيا ويلَ من تعرَّض له بسوء، قال صلى الله عليه وسلم: (مَن صَلَّى صلاةَ الصُّبْحِ فهُوَ في ذِمَّةِ اللهِ، فلا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِن ذِمَّتِهِ بشيْءٍ، فإنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِن ذِمَّتِهِ بشيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبَّهُ على وَجْهِهِ في نارِ جَهَنَّمَ) رواه مسلم.

ليس هذا فحسب، ولكن اعلم رحمني الله وإياك: أنَّ من صلَّى الفجرَ في جماعةٍ فكأنما صلَّى الليلَ كُلَّه: قال صلى الله عليه وسلم: (وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَماعَةٍ فكأنما صَلَّى الليلَ كُلَّهُ) رواه مسلم.

أما من الناحية الصحية، فيؤكد مختصون أن الاستيقاظ المبكر المتزامن مع النوم المبكر يساعد على تنظيم الساعة البيولوجية للجسم، هذا التنظيم يسهم في تحسين جودة النوم، وتعزيز جهاز المناعة، وتقليل مستويات التوتر.

كما أن التعرض لضوء الشمس في ساعاته الأولى يساعد على ضبط هرمون “الميلاتونين” المسؤول عن النوم، ويحفّز إفراز “السيروتونين” المرتبط بتحسين المزاج، إضافةً إلى ذلك، فإن ممارسة رياضة خفيفة بعد الفجر – كالمشي – تنشّط الدورة الدموية وتمنح الجسم حيوية تدوم لساعات.

ومن ناحية الإنتاجية والصفاء الذهني: فيتميّز وقت الفجر كما هو معلوم لنا بهدوءٍ نادر، حيث تقلّ المشتتات وتنعدم الضوضاء تقريبًا. هذا الهدوء يجعل منه وقتًا مثاليًا للتخطيط، أو الدراسة، أو إنجاز الأعمال التي تتطلب تركيزًا عميقًا.

ويشير خبراء التنمية الذاتية إلى أن أكثر الأشخاص نجاحًا في مجالات الإدارة وريادة الأعمال يعتمدون على ساعات الصباح الأولى لإنجاز أهم مهامهم، نظرًا لارتفاع مستوى التركيز وصفاء الذهن في هذا الوقت مقارنة ببقية ساعات اليوم.

فالبكور سرّ من أسرار النجاح؛ إذ يمنح الإنسان صفاء ذهن، وقوّة عزيمة، وقدرة على الإنجاز لا يجدها في أوقاتٍ أخرى من اليوم.

ومن الناحية الاجتماعية والحضارية: فالأمة التي تبدأ يومها مبكرًا تملك ساعات إنتاج أطول، وانضباطًا أكبر، وقدرة أعلى على الإنجاز، ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا السلوك الفردي إلى ثقافة عامة تعزّز قيم الجدية والمسؤولية.

ويرى مراقبون أن العودة إلى ثقافة “البكور” يمكن أن تسهم في رفع مستوى الأداء في المدارس والمؤسسات، وتحدّ من ظاهرة السهر المفرط التي تؤثر سلبًا على الصحة والعمل.

فإنّ الأمم التي تدرك قيمة الفجر لا تتأخّر عن ركب الحضارة؛ لأنّها تبدأ يومها قبل غيرها، وتغتنم ساعات النشاط الأولى في التخطيط والعمل.

فالفجر ليس وقت عبادة فحسب، بل هو أيضًا وقت إعدادٍ وبناء، ووقت مراجعةٍ وتأمّل، ووقت زرعٍ سيؤتي ثماره مع إشراقة الشمس.

ومن المؤسف أن يضيّع كثيرون هذا المنجم الثمين في نومٍ طويل أو سهرٍ مُفرِط، فيفقدون كنوزًا من الصفاء والإنجاز.

ولو أدركوا ما في الفجر من أسرارٍ نفسية وروحية وصحية، لجعلوه موعدًا ثابتًا مع النجاح اليومي.

أيها القارئ الكريم اعلم أنّ الفجر رسالةٌ متجدّدة كلّ صباح تقول للأمّة: انهضي، فقد بدأ يومٌ جديد، ومعه فرصةٌ جديدة.

فمن أراد أن يبني نفسه، ويخدم دينه، ويرفع شأن أمّته، فليجعل للفجر نصيبًا ثابتًا من حياته؛ عبادةً، وتفكّرًا، وعملًا.

وهكذا يظلّ وقت الفجر منجم ذهب الأمّة؛ منه تنطلق، وبه تسمو، وعليه تُبنى نهضتها، يومًا بعد يوم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط