الناقد والمحلل السياسى الكاتب الصحفى محمد بهلول يكتب: قراءة في كواليس المصالحة الاضطرارية: واشنطن وطهران بين فكي التراجع والمناورة

0 359

لطالما كان الملف الإيراني هو “صندوق البندورا” في السياسة الخارجية الأمريكية، فبين عشية وضحاها، نجد خطاب التصعيد العسكري يتحول إلى لغة دبلوماسية هادئة.

ولكن، خلف هذا الهدوء تكمن حقائق لا تقال في المؤتمرات الصحفية، بل تُقرأ بين سطور التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية.

أولاً: لماذا كانت الحرب أصلاً؟ (السبب الحقيقي)

خلافاً لما يُشاع عن “البرنامج النووي” كسبب وحيد، نرى بالتحليل العميق أن الحرب على إيران تهدف في جوهرها إلى كسر التمدد الجيوسياسي الذي يهدد هيكلية “الشرق الأوسط الجديد” الذي تسعى واشنطن لترسيخه.

الهدف هو تقويض قدرة طهران على التأثير في الممرات المائية الحيوية ومنعها من التحول إلى “قطب إقليمي” يفرض شروطه على أمن الطاقة العالمي.

ثانياً: لماذا التراجع الأمريكي الآن؟

التراجع الأمريكي عن خيار المواجهة الشاملة لم يكن “صحوة ضمير”، بل جاء نتيجة اصطدام الإدارة الأمريكية بثلاثة جدران صلبة:

  • كابوس مضيق هرمز: أدركت واشنطن أن غلق المضيق يعني “انتحاراً اقتصادياً” عالمياً؛ فارتفاع أسعار النفط لمستويات فلكية سيؤدي إلى انهيار الأسواق الغربية قبل أن تصل أول رصاصة إلى طهران.

  • فاتورة الناخب الأمريكي: في ظل التضخم الحالي، لا يتقبل المواطن الأمريكي إنفاق مليارات الدولارات على “حرب عبثية” جديدة في الشرق الأوسط، وهو ما يهدد المستقبل السياسي لأي إدارة حالية.

  • استحالة الأهداف غير المعلنة: تيقنت الاستخبارات الأمريكية أن تغيير النظام من الداخل عبر القوة العسكرية “فخ” سيسقط واشنطن في مستنقع أعمق من العراق وأفغانستان، مع غياب بديل جاهز ومستقر.

ثالثاً: مهلة الـ 5 أيام.. فرصة أم مكيدة؟

إن طرح مهلة زمنية قصيرة جداً (5 أيام) يثير الريبة, ففي العرف السياسي، هذه المدة لا تكفي لحسم ملفات شائكة، مما يرجح فرضيتين:

  1. الخداع الاستراتيجي: أن تكون المهلة مجرد “ستار دخان” لترتيبات عسكرية لوجستية أو لجس نبض الدفاعات الإيرانية.

  2. الاختبار الحرج: وضع طهران تحت ضغط زمني هائل لتقديم تنازلات كبرى تحت تهديد “انفجار الموقف”.

رابعاً: الدور المصري.. “المايسترو” الصامت

لا يمكن إغفال الدور المصري المحوري في تقريب وجهات النظر. القاهرة، بما تملكه من ثقل تاريخي وعلاقات متوازنة، لعبت دور “الوسيط الموثوق” الذي نجح في إيجاد أرضية مشتركة.

الدبلوماسية المصرية عملت على إقناع الطرفين بأن الانفجار الإقليمي لن يرحم أحداً، وأن الجلوس على طاولة المفاوضات هو المخرج الوحيد لحفظ ماء وجه الجميع وتأمين حركة التجارة في قناة السويس والبحر الأحمر.


ماذا لو فشلت “مفاوضات الخمسة أيام”؟

السؤال الأكثر إثارة للقلق: هل تلجأ أمريكا للغزو البري؟

الواقع العسكري والجغرافي يقول إن الغزو البري لإيران هو “مهمة مستحيلة” بالمعايير الحالية.

إيران ليست جغرافيا سهلة، والعمق الاستراتيجي لها يجعل من أي هجوم بري استنزافاً بشرياً ومادياً لا تستطيعه القوى الكبرى حالياً.

في حال الفشل، المرجح ليس “الغزو” بل العودة إلى “حرب الظل”: ضربات جراحية، حرب سيبرانية، وتشديد الخناق الاقتصادي، مع تجنب الصدام المباشر الذي قد يحرق المنطقة بأكملها.

الخلاصة: نحن أمام مشهد “عض أصابع”، من يصرخ أولاً سيخسر الكثير، والوساطة المصرية هي صمام الأمان الذي يمنع هذا الانفجار حتى الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط