الكاتب الصحفى محمد بهلول يكتب:كهنة “التصاريح” وعبيد “النسخ”: جنازة الصحافة المصرية في عهد “مدبولي”

0 110

لم يعد خافياً على أحد أن المشهد الإعلامي المصري يعيش أسوأ فتراته من حيث التأثير والمصداقية, فبينما تتسابق دول العالم نحو “عصر المعلومات”، تهرول السياسات الإعلامية في مصر نحو “عصر الحجب والمنع”، محولةً الصحافة من “سلطة رابعة” تراقب وتكشف، إلى “ساعة يد” في معصم المسؤول، تتحرك فقط وفق ما يشتهي.

صحافة “القص واللزق”: عندما يتحول الصحفي إلى “ساعي بريد”
تجلت الكارثة في ظاهرة جديدة فرضتها المؤسسات الحكومية؛ حيث باتت كل وزارة أو جهة رسمية تكتفي بنشر أخبارها عبر “موقعها الإلكتروني” أو صفحتها على فيسبوك، وتطالب الصحفيين بالنقل عنها نصاً.
لقد تحول دور الصحفي من “باحث عن الحقيقة” و”محقق ميداني” إلى مجرد “ناقل للبيانات” (Copy-Paste), هذه السياسة لم تقتل الإبداع الصحفي فحسب، بل ألغت مبرر وجود الصحافة أصلاً؛ فإذا كان المواطن يستطيع قراءة البيان من صفحة الوزارة، فما حاجته لجريدة أو موقع إخباري لا يضيف جديداً ولا يطرح سؤالاً نقدياً واحداً؟

فلسفة “الاستئذان”: هل يُعقل طلب تصريح من الفساد لكشفه؟
في عهد حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، ترسخت قوانين تجعل من “التصريح الأمني أو الإداري” شرطاً للتغطية الميدانية, هذه القيود هي “شهادة وفاة” للصحافة الاستقصائية.
كيف يمكن لصحفي شريف أن يطلب تصريحاً من مدير مستشفى أو رئيس حي ليصور الإهمال أو يكشف الرشوة بداخل مؤسسته؟ إن إجبار الصحفي على “الاستئذان” من الجهة التي ينوي كشف عيوبها هو قمة العبث، وهو إجراء لا يحمي الدولة، بل يحمي “الفاسدين” داخل مفاصل الدولة.

تدخلات أضعفت الدولة قبل الإعلام
إن إضعاف الإعلام وتكبيله لم يخدم النظام كما يظن البعض، بل تركه وحيداً أمام شائعات “السوشيال ميديا” وإعلام الخارج, التدخلات الأمنية والسياسية في الخط التحريري أدت إلى ظهور “إعلام السبوبة” والمنافقين الذين يقتاتون على التطبيل الفج، بينما انسحبت الكوادر المهنية الحقيقية إلى الظل أو الهجرة.

هؤلاء المنافقون هم أول من سيقفز من السفينة عند أول أزمة، لأن ولاءهم للمصلحة لا للمهنة أو الوطن.

روشتة الإنقاذ: لا لوزارة الإعلام.. نعم للنقابة
إلغاء “وزارة الإعلام”: العودة لوجود وزارة هو عودة لزمن الشمولية, الحل ليس في “وزير” بل في “حرية” تضمنها القوانين.

تطهير الساحة: يجب استبعاد الوجوه التي تسببت في كفر الجمهور بالإعلام الوطني، وفتح الباب أمام جيل يملك أدوات العصر.

انتفاضة النقابة: نقابة الصحفيين ليست “جمعية استهلاكية” لتوزيع القروض والبدلات، بل هي “قلعة الحريات”, عليها أن تنتزع حق الصحفي في التصوير والتغطية دون قيود أمنية مهينة، وأن ترفض تحويل أعضائها إلى “مؤديين” لبيانات المواقع الحكومية.

إن استمرار “تقييد اليد” سيؤدي حتماً إلى موت المهنة إكلينيكياً, الدولة القوية هي التي تمتلك صحافة قوية تكشف لها مواطن الخلل قبل أن تنفجر، أما الصحافة المقيدة فهي مجرد “مكياج” رديء على وجه واقع يحتاج إلى علاج حقيقي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط