الكاتب الصحفى محمد بهلول يكتب:خيانة الوعي، طغيان رأس المال، وتآكل الكفاءات: مثلث الرعب الذي يهدد بقاء الدولة المصرية
لا تواجه الدولة المصرية في تاريخها المعاصر خطراً يضاهي خطر “الانهيار من الداخل”, هذا الانهيار الذي لا تسببه المدافع، بل يسببه مثلث رعب اكتملت أضلاعه في غفلة من الزمن، ليخنق روح الوطن ويُهدد بقاءه ككيان حضاري فاعل, هذا المثلث يتكون من: تزييف الوعي، تغول المال الفاسد، واختفاء الكفاءات.
أضلاع الانهيار: تحالف الجهل والمال
حين يتراجع الوعي الجمعي إلى مستويات سحيقة، يتحول المجتمع من “كتلة حرجة” تحمي الدولة، إلى “سيولة بشرية” يسهل التلاعب بها, هذا الفراغ الفكري هو الذي سمح لـ “طغيان رأس المال” بأن يتصدر المشهد؛ حيث قفز “أثرياء الغفلة” ممن يمتلكون المال ويفتقرون للثقافة والوعي الوطني إلى سدة التأثير والسياسة، فحولوا العمل العام إلى “مزاد علني” تُباع فيه الأصوات وتُشترى فيه الذمم.
أما الضلع الثالث والأخطر، فهو “تآكل الكفاءات”؛ فعندما يسود المنطق المادي الجاهل، ينسحب العلماء والمثقفون وأصحاب الرؤى من المشهد، إما إحباطاً أو إقصاءً، لتُدار الدولة بعقلية “الصفقة” لا بعقلية “الاستراتيجية”، وهو أقصر الطرق لانهيار المؤسسات وفقدان هيبة الدولة.
خطة الإنقاذ: مبادرة وطنية لاستعادة “العقل المصري”
إننا من هنا، ندق ناقوس الخطر، ونطالب الدولة المصرية بضرورة طرح “المبادرة الوطنية لصناعة الوعي”؛ لتكون مشروعاً قومياً لا يقل أهمية عن المشروعات البنيوية، وفق رؤية مقسمة لمديين:
1. المدى القصير: “الإفاقة والتحصين”
-
تطهير المنصات: وضع ضوابط أخلاقية ووطنية صارمة للمحتوى الإعلامي والرقمي، لمحاربة “التفاهة الممنهجة” التي تلتهم عقول الشباب.
-
فلترة العمل السياسي: تفعيل قوانين تمنع توغل المال السياسي الفاسد، وضمان وصول أصحاب الكفاءات للمناصب القيادية والتشريعية بعيداً عن “سطوة الجيوب”.
-
صالونات الوعي: إحياء دور قصور الثقافة والجامعات كمنارات للتنوير المباشر والمناقشات المفتوحة حول تحديات الأمن القومي.
2. المدى البعيد: “بناء الجيل النوعي”
-
هندسة المناهج: تطوير التعليم ليتحول من “التلقين” إلى “النقد”؛ ليكون الخريج قادراً على تفكيك الأكاذيب وفرز الشخصيات العامة بناءً على الفكر لا على الثراء.
-
مشروع “القيادات الصفوة”: خلق مسارات وطنية لرعاية العباقرة والمتميزين في كل مجال، وضمان دمجهم في دوائر صنع القرار، لقطع الطريق على “الجهلة” من المتسلقين ورؤوس الأموال المشبوهة.
-
العدالة الثقافية: وصول الوعي إلى القرى والنجوع والشرائح الأكثر احتياجاً، لتحصينهم ضد الاستقطاب المادي في المواسم السياسية.