رسالة مفتوحة للرئيس.. الكاتب الصحفى محمد بهلول يكتب: حين تُباع العقول ويشتري “المال السياسي” مستقبل مصر

0 180

لم تكن السياسة يوماً مجرد صراع على مقاعد، بل هي في جوهرها سباق لتقديم الحلول وبناء الأمم, لكن حين يطغى بريق ‘الذهب’ على لمعان ‘الفكر’، وحين يصبح ‘المال السياسي’ هو التذكرة الوحيدة لدخول ساحات التشريع، فنحن لا نجدد الدماء، بل نعود بقطار الزمن إلى عصر ‘الأعيان’ والإقطاع الذي ظننا أنه ولى مع العهد الملكي.

قد تمر الممارسة السياسية في أي أمة بمراحل صعود وهبوط، لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تتحول “السياسة” من فن إدارة الشأن العام إلى “استثمار” محصور في يد فئة بعينها.

ما نشهده اليوم في المشهد البرلماني المصري، بشقيه (النواب والشيوخ)، يثير تساؤلات مشروعة حول مستقبل التعددية والنخب الفكرية في بلادنا، بعد أن طغت “سطوة المال” على “قيمة العلم”.

إن المتأمل في تشكيل المجالس التشريعية الحالية يلحظ بوضوح انفراد أصحاب الثروات بالمشهد، وتصدرهم للاستحقاقات الانتخابية بفضل قدراتهم المالية لا برامجهم السياسية.

هذا التغول للمال السياسي أعاد للأذهان -بقصد أو بدون- ملامح عصر الدولة الملكية، حيث كان البرلمان ساحة لـ “الأعيان” والملاك، بينما يظل التكنوقراط والقامات العلمية والسياسية الحقيقية في مقاعد المتفرجين.

إن خلو المشهد من العقول الأكاديمية والخبرات السياسية المحنكة التي لا تملك “رأس مال” ضخم، يفرغ العمل التشريعي من مضمونه الرقابي والفكري، ويحول قبة البرلمان إلى ساحة للعلاقات العامة بدلاً من أن تكون مختبراً للتشريعات التي تبني المستقبل.

عندما تغيب القامات العلمية، نفقد “البوصلة” في تقييم السياسات الداخلية بشكل دقيق, فالقانون لا يحتاج فقط لمن يرفع يده بالموافقة، بل يحتاج لعالم اجتماع يحلل آثاره، واقتصادي يدرك تبعاته، وسياسي يقرأ أبعاده الوطنية.

إن إقصاء هذه الفئات -سواء كان إقصاءً مباشراً أو بسبب عجزها عن مجاراة “بذخ” الانتخابات- يضعف جسد الدولة ويجعل السياسات الداخلية تدور في حلقة مفرغة.

من هنا، ومن منطلق الحرص على استقرار الدولة المصرية وبناء “جمهورية جديدة” تقوم على العلم والعمل، فإننا نوجه نداءً إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي.

إن المطلب اليوم ليس مجرد تغيير في الوجوه، بل هو دعوة لتشكيل “لجنة عليا من الخبرات السياسية والعلمية”, لجنة تضم كبار الأكاديميين والمفكرين والسياسيين المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، تكون مهمتها:

تقييم السياسات الداخلية: بموضوعية تامة بعيداً عن المصالح الضيقة.

تقديم رؤى استباقية: للأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

إعادة التوازن: للمشهد السياسي عبر اقتراح آليات تضمن وصول “أصحاب الفكر” لا “أصحاب الجيوب” فقط إلى مراكز صنع القرار.

مصر الغنية بعقولها لا يجب أن تُختزل في أموالها, إن استعادة القامات العلمية والسياسية لصدارة المشهد هو الضمانة الوحيدة لعدم الانزلاق نحو “أرستقراطية سياسية” جديدة.

السياسة في جوهرها هي خدمة عامة، والخدمة العامة لا تستقيم إلا إذا قادها “الأعلم” وليس “الأغنى”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط