شروط الرئيس السيسي للترشح للرئاسة.. هل تتعارض مع الدستور؟ بقلم: الكاتب الصحفي محمد بهلول

0 7
أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي فتح ملف تداول السلطة ومستقبل الحكم في مصر، بعدما أكد أن ولايته الرئاسية ستنتهي عام 2030، وأنه لن يتجه إلى تعديل الدستور لتمديد بقائه في السلطة، بالتزامن مع طرح تصور لإعداد وتأهيل كوادر محتملة لتولي مسؤوليات قيادية في الدولة، من بينها رئاسة الجمهورية.
وفي هذا السياق، تحدث الرئيس عن برنامج تأهيلي يمتد 30 شهرًا داخل الأكاديمية العسكرية المصرية، ويستهدف متقدمين تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا، من حملة الدكتوراه، وفق المعايير التي يجري وضعها، مع تكليف لجنة بإعداد تصور للضوابط والإطار القانوني المنظم للمشروع.
وبين تأكيد عدم المساس بالدستور، والحديث عن معايير جديدة لإعداد من يمكن أن يتولى قيادة الدولة، تبرز أسئلة تستحق نقاشًا عامًا جادًا: هل نحن أمام برنامج اختياري لإعداد الكفاءات، أم أمام شروط جديدة يمكن أن تحدد من يحق له خوض الانتخابات الرئاسية؟ وما حدود سلطة المشرّع في وضع شروط إضافية للترشح؟ وهل يجوز أن تتحول آلية التأهيل إلى بوابة إلزامية لا يمكن الوصول إلى الرئاسة من دون اجتيازها؟
هذه الأسئلة لا تستهدف التقليل من أهمية إعداد القيادات، ولا تنطلق من رفض تأهيل المسؤولين، وإنما من مبدأ أساسي: أن إدارة الدولة شأن مهم، لكن تنظيم الوصول إلى السلطة يجب أن يظل خاضعًا للدستور، لا لاجتهادات منفردة مهما كانت النوايا المعلنة وراءها.
أولًا: عدم تعديل الدستور التزام سياسي يستوجب احترام الدستور كاملًا
عندما يؤكد الرئيس السيسي أن الدستور لن يُعدَّل لتمديد فترة حكمه، وأن ولايته ستنتهي في عام 2030، فإن هذا التصريح يمثل إعلانًا سياسيًا مهمًا بشأن مستقبل السلطة، ويستحق أن يُقاس بمدى الالتزام الفعلي بأحكام الدستور ومبادئه.
لكن احترام الدستور لا يقتصر على عدم تعديل مدة الرئاسة أو قواعد إعادة الانتخاب، بل يمتد إلى احترام منظومة الحقوق والحريات، وضمانات المشاركة السياسية، والقواعد التي تحكم اختيار المواطنين لمن يتولى إدارة شؤونهم.
فالدستور ليس نصًا يُستدعى في قضية ويُغفل في أخرى، وليس مجرد إطار ينظم مدة بقاء الرئيس في منصبه، وإنما هو المرجعية العليا التي تضبط ممارسة السلطة وتحدد حدودها، وتمنع تحول الرغبات السياسية أو التصورات الإدارية إلى قواعد تتجاوز الحقوق الدستورية.
ومن هنا، فإن النقاش بشأن برنامج إعداد المرشحين المحتملين للرئاسة يجب ألا يُفصل عن التعهد بعدم المساس بالدستور؛ لأن السؤال ليس فقط: هل ستنتهي الولاية في موعدها؟ وإنما أيضًا: هل ستجري عملية انتقال السلطة وفق قواعد تضمن تكافؤ الفرص، واحترام حق الترشح، وترك الاختيار النهائي للناخبين؟
إن احترام الدستور يظهر في التطبيق العملي، مثلما يظهر في عدم تغييره، وربما تكون الاختبارات الحقيقية لأي التزام دستوري هي تلك التي تكشف كيفية التعامل مع الحقوق السياسية عندما تتعارض مع تصورات السلطة أو أولوياتها.
ثانيًا: برنامج التأهيل بين إعداد الكفاءات وصناعة شروط جديدة للترشح
لا خلاف على أن رئاسة الجمهورية مسؤولية جسيمة، وأن إدارة الدولة تحتاج إلى المعرفة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار، وأن إعداد كوادر مؤهلة يمثل هدفًا مشروعًا في ذاته.
كما أن الاستفادة من المؤسسات التعليمية والتدريبية في إعداد القيادات ليست موضع اعتراض من حيث المبدأ. فمن حق الدولة أن تطور برامجها لتأهيل العاملين في مؤسساتها، وأن تفتح مسارات للتعلم والتدريب أمام الراغبين في تحمل المسؤولية العامة.
لكن الإشكالية تبدأ عندما يرتبط هذا البرنامج بحق الترشح لرئاسة الجمهورية، ويصبح السؤال المطروح هو ما إذا كان اجتيازه شرطًا لازمًا لقبول أوراق المرشح، أم مجرد مسار تدريبي لمن يرغب في تطوير قدراته.
فثمة فارق جوهري بين أن تُعد الدولة برنامجًا يستفيد منه الراغبون في العمل العام، وأن تجعل الالتحاق به أو اجتيازه شرطًا إضافيًا لا يمكن بدونه خوض الانتخابات الرئاسية.
في الحالة الأولى، نكون أمام مبادرة للتأهيل يمكن تقييم محتواها ومعايير الالتحاق بها ومدى كفاءتها. أما في الحالة الثانية، فنكون أمام تنظيم يمس حقًا سياسيًا دستوريًا، ويستلزم بحثًا دقيقًا في مدى توافقه مع الدستور وحدود سلطة المشرّع.
وهنا لا يكفي القول إن الهدف هو اختيار الأفضل أو إعداد الأكفأ؛ فحسن النية المعلن لا يُغني عن سلامة الوسيلة، والغاية المهمة لا تمنح أي جهة سلطة غير محدودة في وضع القيود على الحقوق السياسية.
السؤال الحاسم إذن ليس: هل نحتاج إلى إعداد قيادات؟ بل: هل يجوز أن يصبح برنامج بعينه بوابة إلزامية للترشح للرئاسة، ومن يملك دستوريًا وضع هذه البوابة وتحديد معاييرها؟
ثالثًا: المادة 141 من الدستور.. ماذا تقول وما الذي تتركه للقانون؟
تستند الإشكالية الأساسية إلى المادة 141 من الدستور المصري، التي تحدد عددًا من الشروط الواجب توافرها فيمن يترشح لرئاسة الجمهورية، ومنها أن يكون مصريًا من أبوين مصريين، وألا يكون قد حمل هو أو أي من والديه أو زوجه جنسية دولة أخرى، وأن يتمتع بحقوقه المدنية والسياسية، وأن يكون قد أدى الخدمة العسكرية أو أُعفي منها قانونًا، وألا يقل عمره عن أربعين سنة ميلادية يوم فتح باب الترشح.
لكن المادة لا تقف عند هذه الشروط، بل تنص صراحة على أن «ويحدد القانون شروط الترشح الأخرى».
وهذه العبارة بالغة الأهمية في أي نقاش قانوني جاد؛ لأنها تعني أن الدستور لم يحصر كل تفاصيل شروط الترشح في النص ذاته، وإنما ترك للقانون تحديد شروط أخرى.
وبالتالي، فإن القول إن أي شرط إضافي يخالف الدستور لمجرد أنه لم يرد حرفيًا في المادة 141 ليس استنتاجًا قانونيًا دقيقًا. وفي المقابل، لا تعني عبارة «شروط الترشح الأخرى» أن المشرّع يملك سلطة مطلقة لفرض أي قيد يراه، بصرف النظر عن أثره في الحقوق السياسية والمبادئ الدستورية.
فوجود تفويض للقانون لا يعني أن هذا التفويض بلا حدود؛ إذ يظل أي تنظيم تشريعي خاضعًا للدستور، ويجب تقييمه وفق طبيعة الشرط المضاف، وهدفه، ومدى ضرورته وتناسبه، وأثره في تكافؤ الفرص وحق المواطنين في المشاركة السياسية.
ومن ثم، فإن المسألة ليست محسومة بمجرد قراءة المادة 141، لا لمصلحة القبول المطلق بالشروط المقترحة، ولا لمصلحة رفضها جميعًا قبل صدور نص قانوني محدد.
إنما تقتضي القراءة المهنية التمييز بين ما يسمح به الدستور من تنظيم قانوني، وما قد يتحول إلى قيد غير مبرر أو تمييز لا يستند إلى أساس دستوري سليم.
وهنا يصبح من حق الرأي العام أن يسأل عن طبيعة الشروط المقترحة، وعن الأساس الذي ستقوم عليه، وعن الجهة التي ستتولى تطبيقها، وعن الضمانات التي تمنع استخدامها بصورة تُضيّق المنافسة السياسية بدلًا من تنظيمها.
رابعًا: هل تصبح الدكتوراه والسن المحدد والتدريب العسكري معايير إلزامية لاختيار الرئيس؟
بحسب التصور الذي أُعلن عنه، يتجه البرنامج إلى استهداف حملة الدكتوراه، ممن تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا، مع اجتياز اختبارات قبول، ثم الالتحاق ببرنامج تدريبي يمتد 30 شهرًا داخل الأكاديمية العسكرية المصرية.
وهذه المعايير تفتح بابًا واسعًا للنقاش بشأن طبيعتها ومدى ملاءمتها للهدف المعلن.
فالحصول على الدكتوراه إنجاز علمي مهم، لكنه ليس المقياس الوحيد للكفاءة السياسية أو القدرة على إدارة الدولة. فقد يمتلك شخص مؤهلًا علميًا مرتفعًا، لكنه يفتقر إلى الخبرة العملية أو القدرة على التواصل مع المواطنين أو إدارة الأزمات. وقد يمتلك آخر خبرة سياسية أو إدارية واسعة من دون أن يحمل درجة الدكتوراه.
والأمر نفسه ينطبق على تحديد سقف أعلى للسن عند خمسين عامًا؛ إذ إن الدستور يشترط ألا يقل عمر المرشح عن أربعين عامًا، بينما يثير وضع حد أقصى تساؤلًا عن المبرر الموضوعي لاستبعاد مواطنين تجاوزوا الخمسين، رغم تمتعهم بالخبرة والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية.
أما التدريب لمدة 30 شهرًا، فيمكن أن يكون فرصة مهمة لاكتساب المعرفة والخبرة إذا كان برنامجًا تأهيليًا مفتوحًا وفق قواعد واضحة. لكن إذا أصبح شرطًا إلزاميًا للترشح، فإن الأمر يتجاوز التدريب إلى تحديد من يحق له الوصول إلى المنافسة الانتخابية.
ولا يصح التعامل مع هذه الأسئلة باعتبارها اعتراضًا على العلم أو الخبرة أو التدريب؛ بل هي مطالبة بتفسير العلاقة بين المعايير المقترحة وبين الحق الدستوري في الترشح.
فإذا كان الهدف هو إعداد قيادات مؤهلة، فلماذا لا يكون البرنامج متاحًا للراغبين في تطوير قدراتهم من دون أن يؤدي عدم الالتحاق به إلى حرمانهم من الترشح، ما لم يكن هناك أساس قانوني ودستوري واضح ومبرر لهذه النتيجة؟
وإذا كان المقصود وضع شروط قانونية جديدة، فما المعايير الموضوعية التي ستضمن ألا تتحول الشروط إلى أداة لتقليص عدد المنافسين أو استبعاد أصحاب الخبرة الذين لا تتوافر فيهم المؤهلات المحددة؟
إن هذه الأسئلة لا تتهم أحدًا مسبقًا، لكنها تطالب بضمانات تمنع أن تتحول النوايا المعلنة إلى نتائج تقيد المنافسة السياسية.
خامسًا: الشعب مصدر السلطات.. وليس مطلوبًا أن يُختزل الاختيار في قائمة معدة سلفًا
تقوم الفكرة الديمقراطية على أن الشعب مصدر السلطات، وأن اختيار رئيس الجمهورية يتم من خلال الآليات الدستورية والانتخابية المقررة.
ولا يعني ذلك أن كل مواطن يحق له الترشح دون استيفاء أي شروط؛ فالدستور والقانون ينظمان العملية الانتخابية ويحددان متطلبات الترشح وقواعد قبول الأوراق.
لكن الفارق كبير بين تنظيم حق الترشح وفق قواعد عامة ومشروعة، وبين إنشاء مسار قد يجعل الوصول إلى الانتخابات متوقفًا على اجتياز برنامج محدد، ومعايير قبول تضعها جهة أو لجنة بعينها.
فالمواطنون هم أصحاب الحق في اختيار الرئيس، لكن هذا الاختيار لا يكون كامل المعنى إذا جرى تضييق دائرة المنافسة من خلال شروط لا تتوافر بشأنها مبررات واضحة وضمانات كافية.
ولا ينبغي أن تتحول فكرة «إعداد الأفضل» إلى افتراض أن جهة واحدة تستطيع أن تحدد مسبقًا من يستحق أن يكون ضمن الخيارات المتاحة للشعب، من دون رقابة قانونية واضحة أو نقاش عام حول معايير الاختيار.
إن الدولة تستطيع أن تؤهل وتدرّب وتقدم الخبرات، لكنها مطالبة كذلك بأن تضمن أن يكون التنافس السياسي مفتوحًا وفق الدستور والقانون، وأن تكون أي قيود إضافية ضرورية ومتناسبة ومبررة.
فليس المطلوب أن يُترك اختيار الرئيس بلا قواعد، وإنما ألا تتحول القواعد إلى وسيلة تحصر الاختيار في دائرة ضيقة لا يستطيع المواطنون تجاوزها.
سادسًا: لماذا تُطرح شروط لم ينص عليها الدستور تفصيلًا؟
هذا السؤال لا يعني أن الدستور يمنع بالضرورة كل شرط إضافي؛ فالمادة 141 نفسها تُحيل إلى القانون لتحديد شروط أخرى للترشح.
لكن السؤال الأهم هو: ما المبرر الموضوعي لكل شرط جديد؟ وما علاقته المباشرة بكفاءة المرشح؟ وهل يؤدي إلى تحسين فرص اختيار رئيس قادر على إدارة الدولة، أم قد ينتج عنه استبعاد كفاءات حقيقية لا تتوافق مع معايير شكلية؟
إن تحديد العمر بين أربعين وخمسين عامًا، واشتراط الدكتوراه، وإلزام المرشح ببرنامج تأهيلي طويل، هي معايير تستحق مناقشة علنية، لا الاكتفاء بتقديمها باعتبارها الطريق الوحيد لإعداد من يتولى المسؤولية.
كما أن إعفاء فئات من البرنامج بسبب سنوات العمل الحكومي، إذا أُقر ضمن التصور النهائي، يستدعي توضيح المبررات التي تميز بين الخبرة المكتسبة داخل الحكومة والخبرات السياسية والإدارية والعلمية المكتسبة خارجها.
فهل الخبرة في الجهاز الحكومي وحدها كافية لإثبات الجدارة؟ وهل العمل العام خارج المؤسسات التنفيذية أقل قيمة بالضرورة؟ وهل يمكن قياس القدرة على القيادة بمعيار واحد، أم أن الكفاءة السياسية تتشكل من خبرات متعددة تشمل الإدارة والاقتصاد والعلاقات الدولية والعمل المجتمعي والقدرة على بناء التوافق؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية حتى لا يتحول البرنامج إلى نموذج مغلق يفضل مسارًا مهنيًا واحدًا على بقية المسارات، أو يخلط بين التأهيل الفني وبين الحق في المنافسة السياسية.
والأهم أن تُعلن المعايير بوضوح، وأن تكون قابلة للفحص والمراجعة، وأن تتوافر ضمانات تمنع التمييز أو المحاباة، سواء في قبول المتقدمين إلى البرنامج أو في تحديد أثر اجتيازه على حق الترشح.
سابعًا: بين سلطة الرئيس واختصاص المشرّع وحقوق المواطنين
من الضروري هنا التمييز بين التصريح السياسي الذي يطرح تصورًا لإعداد القيادات، وبين القانون الذي قد يصدر لاحقًا لتنظيم هذا التصور.
فالتصريحات، مهما كانت أهميتها، لا تُغني بذاتها عن الإجراءات التشريعية اللازمة إذا كان المقصود استحداث شروط قانونية ملزمة للترشح. كما أن إعداد مشروع قانون لا يعني بالضرورة أن كل ما يتضمنه سيكون متوافقًا مع الدستور لمجرد صدوره عن جهة رسمية.
فإذا اقتصر البرنامج على التدريب والتأهيل الاختياري، فإن تقييمه يختلف عن تقييم قانون يجعل اجتياز البرنامج شرطًا لقبول أوراق المرشح الرئاسي.
أما إذا اتجه المشروع إلى فرض قيود إلزامية، فستصبح الحاجة ملحة إلى فحص مدى توافقها مع المادة 141 وغيرها من المبادئ الدستورية ذات الصلة، بما في ذلك المساواة، والحقوق السياسية، وتكافؤ الفرص، وضمانات المشاركة في الشأن العام.
ولا يمكن الجزم مسبقًا بأن كل شرط إضافي سيؤدي إلى بطلان القانون، كما لا يجوز افتراض أن كل شرط يمكن تمريره لمجرد أن المادة 141 أحالت إلى القانون تحديد شروط أخرى.
الحكم القانوني السليم يتوقف على النص النهائي، وطبيعة القيود، ومدى ارتباطها بهدف مشروع، وحدود سلطة المشرّع، وما إذا كانت تتعارض مع ضمانات دستورية أخرى.
وهنا تبرز أهمية الرقابة الدستورية والمؤسسية، وأهمية عرض المشروع على نقاش عام جاد، بدلًا من التعامل معه باعتباره أمرًا محسومًا قبل معرفة تفاصيله وصياغته النهائية.
ثامنًا: الخوف على الدولة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتضييق المنافسة
من حق الدولة أن تحمي أمنها ومؤسساتها، وأن تتحقق من استيفاء المرشحين الشروط القانونية، وأن تواجه أي محاولات لاستخدام الانتخابات للإضرار بالبلاد أو تقويض نظامها الدستوري بوسائل غير مشروعة.
لكن حماية الدولة لا تعني أن تكون المنافسة السياسية محصورة في فئة محددة، ولا أن تصبح المؤهلات الأكاديمية أو التدريب داخل مؤسسة بعينها بديلًا عن الضمانات الدستورية والقانونية.
فالكفاءة الوطنية ليست حكرًا على أصحاب الدرجات العلمية العليا، كما أن الانتماء الوطني لا يُقاس بشهادة جامعية أو برنامج تدريبي وحده. ويمكن للدولة أن تضع ضوابط قانونية مشروعة للتحقق من أهلية المرشحين، لكن يجب أن تكون هذه الضوابط واضحة ومحددة، وأن تُطبق على الجميع دون تمييز غير مبرر.
والأصل أن مواجهة المخاطر الحقيقية تتم عبر القانون والمؤسسات والرقابة، لا من خلال افتراض أن تضييق دائرة المنافسة هو وحده الضمانة للحفاظ على الدولة.
إن الدولة القوية ليست تلك التي تخشى تعدد المرشحين، بل تلك التي تمتلك مؤسسات قادرة على تنظيم المنافسة، وتطبيق القانون، وضمان انتقال السلطة وفق قواعد مستقرة، مهما اختلفت أسماء المتنافسين أو اتجاهاتهم السياسية.
تاسعًا: احترام الدستور يبدأ من ضمان حق الاختيار
إذا كان الرئيس السيسي يؤكد أن ولايته ستنتهي في عام 2030، وأن الدستور لن يُعدّل لتمديدها، فإن الاختبار الأهم لا يقتصر على موعد مغادرة المنصب، بل يمتد إلى طبيعة القواعد التي ستنظم الانتخابات المقبلة.
فالتداول السلمي للسلطة لا يتحقق بمجرد تحديد موعد لانتهاء الولاية، وإنما يحتاج إلى بيئة تسمح بمنافسة حقيقية، وشروط قانونية واضحة، وإجراءات معلنة، وضمانات تتيح للناخبين الاختيار بين مرشحين يستوفون المتطلبات الدستورية والقانونية.
ومن هنا، فإن أي مشروع يستهدف إعداد قيادات للمستقبل يجب أن يُطرح باعتباره إضافة إلى الحياة العامة، لا بديلًا عن قواعدها الدستورية. ويجب أن يظل الفرق واضحًا بين تأهيل المرشح وبين تحديد حقه في الترشح، وبين تطوير قدرات المسؤولين وبين حصر الخيارات المتاحة أمام الشعب.
كما أن احترام الدستور لا يكتمل بمجرد التعهد بعدم تعديله، بل يتطلب احترام روحه ومبادئه، وضمان ألا يؤدي أي تنظيم تشريعي إلى إفراغ الحقوق السياسية من مضمونها.
إن القضية ليست في رفض الأكاديمية العسكرية أو التقليل من قيمة التدريب، وليست في الاعتراض على أن تكون الدولة حريصة على إعداد قيادات تمتلك العلم والخبرة؛ بل في ضرورة ألا تتحول وسيلة التأهيل إلى شرط إقصائي لا تتضح مبرراته الدستورية.
الخلاصة: من يحدد شروط المنافسة، ومن يملك الاختيار النهائي؟
يبقى السؤال الذي ينبغي أن يتصدر النقاش العام: هل سيكون برنامج الأكاديمية العسكرية مسارًا اختياريًا لإعداد كوادر مؤهلة، أم ستُربط به أهلية الترشح لرئاسة الجمهورية ربطًا إلزاميًا؟
إذا كان برنامجًا للتأهيل، فالمطلوب أن تكون معاييره عادلة وشفافة، وأن تُتاح الاستفادة منه وفق قواعد معلنة. أما إذا كان سيصبح شرطًا قانونيًا للترشح، فالمطلوب أن يُعرض على اختبار دستوري وقانوني جاد، وأن تُبرر القيود المقترحة، وأن تُضمن حقوق المواطنين وتكافؤ الفرص بينهم.
فالدستور الذي ينظم اختيار رئيس الجمهورية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد نص يحدد موعد انتهاء الولاية، بل يجب أن يظل المرجعية الحاكمة لشروط المنافسة وحدود السلطة وحقوق المواطنين.
وليس من حق أي سلطة أن تتعامل مع إرادة الشعب باعتبارها تفويضًا مفتوحًا لإعادة تعريف الحقوق السياسية خارج الضوابط الدستورية. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن نستبق الحكم على مشروع لم تتضح بعد جميع تفاصيله القانونية.
المطلوب إذن ليس إصدار حكم مسبق ببطلان المقترح، ولا التسليم بصحته لمجرد الإعلان عنه؛ بل المطالبة بالشفافية، ووضوح النصوص، ومناقشة المبررات، واحترام الرقابة الدستورية.
فالرئيس يأتي إلى السلطة عبر الدستور، ويباشر صلاحياته في حدوده، وتظل إرادة الشعب هي أساس الاختيار في الانتخابات. وأي نظام لإعداد المرشحين يجب أن يخدم هذا المبدأ، لا أن يحل محلّه.
فإذا كان الهدف هو إعداد الأفضل لمصر، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ بتأهيل الكفاءات، لكنه لا ينتهي إلا بضمان أن يظل للمصريين حق الاختيار الحر وفق الدستور والقانون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط