«على مذبح الأيديولوجيا.. كيف يورّط اليسار نقابة الصحفيين في معارك مجانية مع الدولة؟» بقلم: الناقد والمحلل السياسى الكاتب الصحفى محمد بهلول

0 34
تضع الأزمة الأخيرة المتعلقة بمنصة “مصدقش” نقابة الصحفيين أمام اختبارٍ حقيقي يتجاوز تفاصيل الواقعة المباشرة، ليمس جوهر الفلسفة الإدارية والسياسية التي تُدار بها النقابة في أوقات المحن.
إن المتابع لمسار الأحداث والتعاطي النقابي مع هذا الملف لا يملك إلا أن يتوقف أمام حالة من الارتباك والتسرع في إشاعة مناخ الصدام، وهي حالة تعيد إلى الأذهان مسارات سابقة أثبتت التجربةُ عدم جدواها في حماية المصالح الحقيقية للجسم الصحفي.
لقد شهد تاريخ النقابة، ولا سيما في محطات مثل أزمة عام 2016 الشهيرة، كيف أدى تحويل الأزمات ذات الطابع الإجرائي أو القانوني إلى مساجلات إعلامية وسياسية مفتوحة مع مؤسسات الدولة إلى تعقيد المشهد وإغلاق أبواب الحوار الهادئ.
واليوم، يتكرر النهج ذاته تحت مظلة الرؤية التي يتبناها التيار اليساري داخل المجلس برئاسة النقيب خالد البلشي؛ حيث يطغى خيار التصعيد واستدعاء مفردات المواجهة على أدوات التفاوض المؤسسي والمسارات القانونية الرصينة.
الوقائع المعلنة وأولويات العمل النقابي
تتضاعف علامات الاستفهام حين نتأمل معطيات الأزمة الحالية؛ فالتحقيقات الرسمية والبيانات المعلنة من النيابة العامة تكشف عن ملابسات قانونية وتهم تتعلق بتلقي تمويلات وإدارات لمنصات تتجاوز أطر العمل المهني المنظم، فضلاً عن أن الأغلبية العظمى من المتأثرين بالإجراءات ليسوا أعضاءً في النقابة، باستثناء زميل واحد فقط.
وهنا تبرز الإشكالية الإدارية والأخلاقية؛ إذ إن واجب النقابة الأساسي والدستوري هو كفالة حق الدفاع القانوني الكامل والمنصف لأعضائها، وضمان إجراءات محاكمة عادلة تتفق مع ميثاق الشرف والقانون.
غير أن تحويل هذا الواجب إلى غطاء سياسي عام أو مجازفة بالزج بكيان النقابة في معارك إعلامية، يربك البيئة المهنية ويُضر بالصحفيين الذين ينتظرون من بيتهم النقابي أن يكون درعاً حصيناً لحقوقهم وخدماتهم، وليس طرفاً في استقطابات أيديولوجية لا تخدم الجمعية العمومية.
خطورة استقطاب الرأي وحجب الحقائق
من المؤسف أن يترافق هذا الأداء النقابي مع محاولات لتضييق المساحة أمام الآراء المخالفة داخل بيت الصحفيين.
فالعمل الصحفي يقوم في أصله على تقديس الحقيقة والحياد في النقل، ومن حق الصحفي – بل من واجبه المهني – أن ينشر ما تسفر عنه التحقيقات الرسمية للنيابة العامة ليضع الحقائق أمام الرأي العام.
إن ممارسة التشكيك أو ممارسة ضغوط معنوية على الزملاء الصحفيين الذين يمارسون حقهم الطبيعي في التغطية ونقل نص التحقيقات، تتناقض مع الشعارات التي تُرفع حول حرية الرأي والتعبير والتعددية داخل الكيان النقابي.
فالنقابة القوية هي التي تتسع لكافة الآراء، وتحترم القضاء، وتزن الأمور بميزان العقل والمصلحة العامة.
العودة إلى المسار المؤسسي: بوابتك نحو المستقبل
إن النقد الموجه لأسلوب إدارة المجلس الحالي لا يستهدف النيل من المؤسسة، بل ينبع من حرصٍ صادق على صونها وإعادتها إلى دورها المتوازن.
فالصحفي المصري، وخاصة من الجيل الجديد، يحتاج إلى نقابة تتفرغ لملفات الأجور، والحماية الاجتماعية، والتأمين الصحي، وتطوير البيئة الرقمية للعمل الصحفي، بدلاً من استنزاف الجهود في أزمات متكررة تُحدث عزلة بين النقابة ومحيطها المؤسسي في الدولة.
إن الاستحقاق الانتخابي القادم يحمل في طياته فرصة مهمة لأعضاء الجمعية العمومية لإعادة تقييم هذه المرحلة، والعمل على تقديم نموذج نقابي مهني جامع يبتعد عن الاستقطاب السياسي الضيق.
إن العبور من الأزمة الراهنة يتطلب استعادة الحكمة والهدوء، وإعلاء المصلحة الوطنية والمهنية العليا، ليظل “بيت الصحفيين” حصناً لكل أبنائه، وقادراً على فتح أبواب الحوار المثمر الذي يحمي حقوق الصحفي، ويحترم دولة القانون والمؤسسات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط