حرب الشوارع (حوادث السيارات.. معركةٌ يوميةٌ تحصد الأرواح وتترك خلفها وجعًا لا يُنسى) بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 22
ليست كل الحروب تُسمع فيها أصوات الرصاص؛ فهناك حربٌ صامتة تدور كل يوم على الطرقات، لا تُعلن بدايتها ولا تعرف موعد نهايتها، لكنها تخلّف قتلى وجرحى وأسرًا مكلومة.. إنها حرب الشوارع: حرب حوادث السيارات.
فلم تعد حوادث السيارات مجرد أرقامٍ تتصدر نشرات الأخبار، بل أصبحت مأساةً يوميةً تختطف أرواحًا، وتُصيب أجسادًا، وتُحيل بيوتًا عامرةً إلى أماكن يسكنها الحزن والانتظار.
ففي كل يومٍ تنطلق آلاف السيارات إلى وجهاتها، يحمل أصحابها أحلامًا ومواعيد وأعمالًا وأسرًا تنتظر عودتهم. لكن بعض هذه الرحلات ينتهي فجأةً على قارعة الطريق؛ حادثٌ في ثوانٍ قد يغيّر حياة إنسان، ويفجع أسرة، ويترك وراءه طفلًا ينتظر أبًا لن يعود، أو أمًّا تترقب ابنًا طال غيابه.
إنها حرب الشوارع؛ حربٌ لا تُستخدم فيها المدافع، ولا تُرفع فيها الرايات، لكنها تحصد الأرواح، وتخلّف الإصابات، وتستنزف المال والصحة والمشاعر.
وحين نتحدث عن حوادث السيارات، يتبادر إلى الذهن مباشرةً عامل السرعة، وهي بالفعل من أخطر أسباب الحوادث، لكن المشكلة أوسع من ذلك.
فمن أسباب الحوادث: الانشغال بالهاتف، ولا شك أن من أخطر مظاهر الاستهتار أن يمسك السائق هاتفه أثناء القيادة، يقرأ رسالة، أو يرد على اتصال، أو يتصفح شيئًا لا يستحق أصلًا أن يخاطر الإنسان بحياته من أجله، فما قيمة رسالة تصل الآن إذا كان ثمنها ألا تصل إلى بيتك أبدًا؟، وما قيمة مكالمة تستغرق دقائق إذا كانت قد تحرم أسرة كاملة من إنسانها؟، فالهاتف يمكن أن ينتظر، أما الحياة فلا تنتظر.
ليس الانشغال بالهاتف فحسب، من أسباب الحوادث، بل إن عدم الالتزام بالأنظمة المرورية، والتجاوز الخاطئ، والقيادة المتهورة، وعدم ترك مسافة أمان، والإرهاق والنعاس، وعدم صيانة المركبة، وعدم الانتباه لتغيرات الطريق والطقس،
وقد يظن بعض السائقين أن دقائق قليلة يمكن أن تبرر المخاطرة، فيضغط على دواسة الوقود، أو يتجاوز في مكان خطر، أو يستخدم هاتفه أثناء القيادة، وكأنه يملك ضمانًا بأن شيئًا لن يحدث.
فالإنسان الشجاع ليس من يغامر بحياته وحياة الآخرين، وإنما من يملك القدرة على ضبط نفسه، والالتزام بالنظام، والتراجع عن السلوك الخطر ولو كان يستطيع فعله.
صحيح أن الإنسان لا يملك من أمر الغيب شيئًا، ولا يملك دفع قدر الله، وأن ما كتب الله وقوعه واقع، لكن الإيمان بالقدر لا يعني أن يتخلى الإنسان عن الأسباب.
فمن الحكمة أن تربط حزام الأمان، وتفحص مركبتك، وتلتزم بالسرعة المحددة، وتتجنب القيادة وأنت مرهق، وتترك مسافة كافية، وتحترم الإشارات، ولا تستخدم الهاتف أثناء القيادة.
ثم بعد ذلك تؤمن بأن الأمر كله بيد الله، أما أن يهمل الإنسان الأسباب ثم يقول: “هذا قدر الله”، فليس هذا من حسن التوكل، فالتوكل ليس ترك الأسباب، وإنما بذل السبب مع تعلق القلب بالله.
فالمشكلة في الحوادث أن الإنسان قد يرتكب الخطأ في لحظة، ثم يقضي بقية عمره وهو يتمنى لو استطاع أن يعيد تلك اللحظة، فلابد أن تعلم أن ثانيةٌ من الانشغال بالهاتف قد تكون كافية لعدم رؤية مركبة أمامك، وثانيةٌ من التهور قد تكون كافية لفقدان السيطرة، وثانيةٌ من التجاوز الخاطئ قد تكون فاصلةً بين الحياة والموت.
ولهذا فإن القيادة ليست مهارةً في تحريك السيارة فحسب، وإنما هي مسؤولية وأمانة ووعيٌ بحقوق الآخرين.
ومن الأخطاء التي تحتاج إلى تصحيح في ثقافة القيادة أن يتعامل بعض السائقين مع الطريق وكأنه ملكٌ خاص له؛ يسرع متى شاء، ويتجاوز كيف شاء، ويقطع الإشارة، ويغيّر مساره دون اكتراث بمن حوله.
لكن الطريق مساحة مشتركة، وكل سائق فيه مسؤول عن نفسه وعن الآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ النساء: 29.
فالإنسان مأمور بحفظ نفسه، وليس من حفظ النفس أن يقود بطريقة تعرض حياته وحياة الآخرين للخطر.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”، وهذه قاعدة عظيمة في التعامل مع الناس، ومن أوضح صور تطبيقها في حياتنا اليومية ألا يكون الإنسان سببًا في إلحاق الأذى بالآخرين، ومن ذلك قيادته لمركبته بطريقة تعرضهم للخطر.
فالسيارة في ذاتها نعمة عظيمة؛ تختصر المسافات، وتيسّر الأعمال، وتحمل الإنسان وأهله، وتعينه على مصالح حياته.
لكن النعمة إذا أسيء استخدامها تحولت إلى سبب للأذى، فالسائق الواعي لا يسأل نفسه فقط: كيف أصل بسرعة؟، بل يسأل: كيف أصل سالمًا، ويصل الآخرون سالمين؟، وهنا يظهر الفرق بين السائق الذي يمتلك سيارة، والسائق الذي يمتلك ثقافة المسؤولية.
قد نمر بجانب حادثٍ مروري، فنراه دقائق ثم نتابع طريقنا، لكننا لا نرى ما بعد الحادث، لا نرى الأب الذي فقد ابنه، ولا الأم التي تغيّر لون شعرها من هول الصدمة، ولا الزوجة التي أصبحت أرملة، ولا الطفل الذي سيكبر وهو يحمل صورة أبيه بدل أن يحمل يده، ولا نرى المصاب الذي قد يقضي سنواتٍ في العلاج والتأهيل، أو يفقد عضوًا من أعضائه، أو تتغير قدرته على العمل والحياة.
لذلك فإن الحادث ليس لحظةً تنتهي بإزالة المركبات من الطريق؛ بل قد تكون له آثار تمتد سنوات طويلة، وربما عمرًا كاملًا.
ومن المؤسف أن بعض الناس يقودون بسرعة جنونية لأنهم تأخروا عن موعد، أو يخاطرون من أجل الوصول إلى العمل، أو يحاولون اختصار دقائق قليلة، لكن أي موعدٍ في الدنيا يستحق أن نخاطر من أجله بحياتنا؟، فإن تأخرك عن موعد يمكن تعويضه، وإلغاء رحلة يمكن احتماله، وفوات اجتماع يمكن تداركه،
أما الحياة فإذا ذهبت فلا تعود.
ولهذا فإن الوصول متأخرًا خيرٌ ألف مرة من عدم الوصول.
فالحد من حوادث السيارات ليس مسؤولية الجهات المرورية وحدها، وإنما مسؤولية المجتمع كله، فإنها مسؤولية الأب حين يعلّم أبناءه احترام الطريق، ومسؤولية المدرسة حين تغرس ثقافة السلامة، ومسؤولية الأسرة حين لا تتسامح مع التهور، ومسؤولية السائق حين يدرك أن المركبة أمانة، ومسؤولية كل فرد حين يرى سلوكًا خطرًا فيحذر منه وينصح بالمعروف.
فنحن بحاجة إلى أن تتحول السلامة المرورية من تعليماتٍ مكتوبة على اللوحات إلى ثقافةٍ مستقرة في السلوك والضمير.
ورسالتي الأخيرة: يا من تمسك المقود… تذكّر أن خلف كل سيارة إنسانًا له أهلٌ يحبونه، وأبناءٌ ينتظرونه، وأحلامٌ يريد أن يحققها، فلا تجعل لحظة تهورٍ سببًا في مأساةٍ لا تنتهي، خفف سرعتك، واترك مسافة أمان، ولا تستخدم هاتفك أثناء القيادة، واحترم الإشارات والأنظمة، ولا تجعل الاستعجال يقودك إلى الندم.
فالطريق ليس ميدانًا لإثبات الشجاعة، والسرعة ليست بطولة، والمغامرة ليست رجولة.
البطولة الحقيقية أن تصل سالمًا، وأن تحافظ على حياة من حولك.
فكم من إنسان خرج من بيته وهو يقول لأهله: “أراكم بعد قليل”، ثم لم يعد، وكم من رحلةٍ قصيرة انتهت بحكايةٍ طويلة من الألم.
فلا تكن سببًا في كتابة تلك الحكاية.
إن حرب الشوارع لا تحتاج إلى مزيد من الضحايا، وإنما تحتاج إلى وعيٍ يسبق السرعة، ومسؤوليةٍ تسبق المغامرة، وإنسانيةٍ تجعلنا نتذكر دائمًا أن الطريق لنا جميعًا.
إن حرب الشوارع ليست قدرًا محتومًا لا نستطيع مواجهته؛ إنها معركة مع الوعي والتهور والاستهانة، ويمكن لكل واحد منا أن يكون جزءًا من الحل.
فاجعل مقودك يقودك إلى الحياة.. لا إلى الندم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط