الطريق البديل

الفتن وأثرها على الفرد والمجتمع..بقلم د. عصام عبد ربه مشاحيت عضو الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة واللجنة الاستشارية العليا لمنصة أريد

Strife and its impact on the individual and society..by Dr. Essam Abd Rabbo Mashait is a member of the Saudi Scientific Society for the Sciences of the Faith and the Higher Advisory Committee of the Irid platform

0 440

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

لا يخفى على كل ذي لب أن الفتن بدأت تُطِلُّ بِقَرنها على الناس، ولا شك أنها كانت كذلك من قبل إلا أنها في هذا الزمان ظهرت ظهورا واضحا، وكلما تأخر الزمان تشتد الفتن، إلى أن تأتي الفتن الكبار المتتابعة إلى أن تقوم الساعة، فالإنسان يعايش الفتن حتى عند الموت، فقد يختم له بخاتمة طيبة، وقد يختم له بخاتمة سيئة، وكذلك يفتتن الإنسان حتى في القبر، لما ثبت في الحديث الصحيح عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، رضي الله عنه قَالَ: ” خرجنا مع رسولِ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – في جِنازةِ رجلٍ من الأنصار، فانتهينا إلى القبرِ ولمَّا يُلحدْ .

فجلسَ رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وجلسنا حولَه كأنَّ على رؤوسنا الطَّيرَ، وفي يدِه عودٌ ينكُتُ به في الأرضِ، فرفع رأسَه فقال: استعيذوا باللهِ من عذابِ القبرِ مرَّتَيْن أو ثلاثًا، ثمَّ قال: إنَّ العبدَ المؤمنَ إذا كان في انقطاعٍ من الدُّنيا، وإقبالٍ إلى الآخرةِ، نزل إليه ملائكةٌ من السَّماءِ بيضُ الوجوهِ، كأنَّ وجوهَهم الشَّمسُ، معهم كفنٌ من أكفانِ الجنَّةِ، وحنوطٌ من حنوطِ الجنَّةِ، حتَّى يجلسوا منه مدَّ البصرِ. ثمَّ يجيءَ ملَكُ الموتِ، حتَّى يجلسَ عند رأسِه،

فيقول: أيَّتُها النَّفسُ المطمئنَّةُ، اخرُجِي إلى مغفرةٍ من اللهِ ورضوانٍ.قال: فتخرجُ تسيلُ كما تسيلُ القطرةُ من فِي السِّقاءِ،فيأخذُها، فإذا أخذَها لم يدَعوها في يدِه طرفةَ عينٍ، حتَّى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفنِ، وفي ذلك الحنوطِ. ويخرجُ منها كأطيبِ نفحةِ مسكٍ وُجِدتْ على وجهِ الأرضِ. فيصعدون بها فلا يمرُّون – يعني – بها على ملأٍ من الملائكةِ إلَّا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبةُ؟

فيقولون: فلانُ بنُ فلانٍ، بأحسنِ أسمائِه الَّتي كانوا يُسمُّونه بها في الدُّنيا، حتَّى ينتهوا به إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيستفتحون له، فيُفتحُ له، فيُشيِّعُه من كلِّ سماءٍ مقرَّبُوها إلى السَّماءِ الَّتي تليها، حتَّى ينتهَى به إلى السَّماءِ السَّابعةِ فيقولُ اللهُ، عزَّ وجلَّ: اكتبوا كتابَ عبدي في علِّيِّين، وأعيدوه إلى الأرضِ، فإنِّي منها خلقتُهم، وفيها أُعِيدُهم، ومنها أُخرِجُهم تارةً أخرَى.قالَ: فتُعادُ روحُه فيأتيه ملَكان فيُجلِسانِه فيقولان له: من ربُّك؟

فيقولُ: ربِّي اللهُ. فيقولان له ما دينُك؟

فيقولُ: ديني الإسلامُ. فيقولان له: ما هذا الرَّجلُ الَّذي بُعث فيكم؟

فيقولُ: هو رسولُ اللهِ.

فيقولان له: وما علمُك؟

فيقولُ: قرأتُ كتابَ اللهِ فآمنتُ به وصدَّقتُ.

فينادي منادٍ من السَّماءِ: أنْ صدَق عبدي، فأفْرِشوه من الجنَّةِ، وألبِسوه من الجنَّةِ، وافتحوا له بابًا إلى الجنَّةِ. فيأتيِه من روحِها وطيبِها، ويُفسحُ له في قبرِه مدَّ بصرِه.

قال: ويأتيِه رجلٌ حسَنُ الوجهِ، حسَنُ الثِّيابِ، طيِّبُ الرِّيحِ،

فيقولُ: أبشِرْ بالَّذي يسُرُّك، هذا يومُك الَّذي كنتَ تُوعدُ. فيقولُ له: من أنتَ؟ فوجهُك الوجهُ يجيءُ بالخيرِ.فيقولُ: أنا عملُك الصَّالحُ.

فيقولُ: ربِّ أقِمِ السَّاعةَ، ربِّ أقِمْ السَّاعةَ، حتَّى أرجعَ إلى أهلي ومالي قال: وإنَّ العبدَ الكافر، إذا كانَ في انقطاعٍ من الدُّنيا وإقبالٍ من الآخرةِ، نزل إليه من السَّماءِ ملائكةٌ سودُ الوجوهِ معهم المُسوحُ، فيجلسون منه مدَّ البَصرِ، ثمَّ يجيءُ ملَكُ الموتِ حتَّى يجلسَ عندَ رأسِه، فيقولُ: أيَّتُها النَّفسُ الخبيثةُ، اخرُجي إلى سخَطٍ من اللهِ وغضبٍ .

قال: فتَفرَّقُ في جسدِه، فينتزِعُها كما يُنتزَعُ السَّفُّودُ من الصُّوفِ المبلولِ، فيأخذُها، فإذا أخذها لم يدَعوها في يدِه طرفةَ عينٍ حتَّى يجعلوها في تلك المُسوحِ، ويخرجُ منها كأنتنِ ريحِ جيفةٍ وُجِدَتْ على وجهِ الأرضِ .

فيصعدون بها، فلا يمُرُّون بها على ملأٍ من الملائكةِ إلَّا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الخبيثةُ؟

فيقولون: فلانُ بنُ فلانٍ، بأقبحِ أسمائِه الَّتي كان يُسمَّى بها في الدُّنيا، حتَّى يُنتهَى به إلى السَّماءِ الدُّنيا،فيستفتحُ، فلا يفتحُ له. ثمَّ قرأ رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -:{لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}، فيقولُ اللهُ، عزَّ وجلَّ: اكتُبوا كتابَه في سِجِّينٍ في الأرضِ السُّفلَى. فتُطرحُ روحُه طرحًا.

ثمَّ قرأ:{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} الحجُّ:31. فتُعادُ روحُه في جسدِه.

ويأتيه ملَكانِ فيُجلِسانِه فيقولان له: من ربُّك؟

فيقولُ: هاه هاه! لا أدري!

فيقولان: ما دينُك؟

فيقولُ: هاه هاه لا أدري!

فيقولان: ما هذا الرَّجلُ الَّذي بُعِث فيكم؟

فيقولُ: هاه هاه! لا أدري.

فينادي منادٍ من السَّماءِ: أنْ كذَب، فأفْرِشوه من النَّارِ، وافتحوا له بابًا إلى النَّارِ.

فيأتيه من حرِّها وسَمومِها، ويُضيَّقُ عليه قبرُه حتَّى تختلفَ فيه أضلاعُه، ويأتيه رجلٌ قبيحُ الوجهِ، قبيحُ الثِّيابِ، مُنتِنُ الرِّيحِ،

فيقولُ: أبشِرْ بالَّذي يسوؤُك، هذا يومُك الَّذي كنتَ تُوعدُ فيقولُ: من أنتَ؟ فوجهُك الوجهُ يجيءُ بالشَّرِّ.فيقولُ: أنا عملُك الخبيثُ.

فيقولُ: ربِّ لا تُقِمِ السَّاعةَ” (أخرجه أبو داود (4753)، وأحمد (18557) باختلاف يسير، والنسائي (2001)، وابن ماجه (1549) مختصراً.).

فالإنسان مُعرض للفتن؛ في حياته، وعند مماته، وفي قبره، والأمة قد تُفتَتن وتُمتحن وتختبر؛ لينظر مدى تمَسُّكِها بدينها.

والفتنة في اللغة: قال الأزهري – رحمه الله -: جماع معنى الفتنة في كلام العرب الابْتِلاءُ والامْتِحانُ وأصلها مأخوذ من قولك: فَتَنْتُ الفضةَ والذَّهب إذا أذبتهما بالنار؛ ليتميز الرديء من الجيد. (تهذيب اللغة 14/211).

قال ابن فارس:” الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار ” (مقاييس اللغة 4 / 472). فهذا هو الأصل في معنى الفتنة في اللغة.

وقال ابن الأثير: الفتنة: الامتحان والاختبار … وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار من المكروه، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء. (النهاية 3 / 410). وبنحو من هذا قال ابن حجر في الفتح (13 /3).

وقد لخص ابن الأعرابي معاني الفتنة بقوله: ” الفتنة الاختبار، والفتنة: المحنة، والفتنة: المال، والفتنة: الأولاد، والفتنة الكفر، والفتنة اختلاف الناس بالآراء والفتنة الإحراق بالنار”.(لسان العرب لابن منظور).

وقد وردت الفتنة في القرآن الكريم بعدة معاني منها على سبيل الذكر لا الحصر:

1- الابتلاء والاختبار: كما في قوله تعالى:”أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ” (العنكبوت/2) أي: وهم لا يبتلون كما في ابن جرير.

2- الصد عن السبيل والرد: كما في قوله تعالى: ” وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك” (المائدة/49) قال القرطبي:معناه: يصدوك ويردوك.

3- العذاب: كما في قوله تعالى: “ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ”(النحل:110) فتنوا: أي عذبوا.

4- الشرك والكفر: كما في قوله تعالى:”وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ” (البقرة/193) قال ابن كثير: أي شرك.

5- الوقوع في المعاصي والنفاق: كما في قوله تعالى في حق المنافقين “وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِي” (الحديد/14)قال البغوي: أي أوقعتموها في النفاق وأهلكتموها باستعمال المعاصي والشهوات.

6- اشتباه الحق بالباطل: كما في قوله تعالى:” وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ” (لأنفال/73)فالمعنى: ” إلا يوالى المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به (تكن فتنة في الأرض) أي شبهة في الحق والباطل.” كذا في جامع البيان لابن جرير.

7- الإضلال: كما في قوله تعالى:” ومن يرد الله فتنته ” (المائدة / 41)،فإن معنى الفتنة هنا الإضلال. (البحر المحيط لأبي حيان 4 / 262).

8- القتل والأسر: ومنه قوله تعالى:”إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا”(النساء / 101).والمراد: حمل الكفار على المؤمنين وهم في صلاتهم ساجدون حتى يقتلوهم أو يأسروهم. كما عند ابن جرير.

9- اختلاف الناس وعدم اجتماع قلوبهم: كما في قوله تعالى:” ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ” أي: يوقعوا الخلاف بينكم كما في الكشاف (2 / 277).

10- الجنون: كما في قوله تعالى:”بأيِّكم المفتون”. فالمفتون بمعنى المجنون.

11- الإحراق بالنار: لقوله تعالى:” إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات “. (البروج/10).

قال ابن حجر: ويعرف المراد حيثما ورد بالسياق والقرائن.الفتح (11 / 176).

وقال ابن القيم – رحمه الله -: “وأما الفتنة التي يضيفها الله سبحانه إلى نفسه أو يضيفها رسوله – صلى الله عليه وسلم – إليه كقوله: ” كذلك فتنا بعضهم ببعض”، وقول موسى– عليه السلام -: “إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء” فتلك بمعنى آخروهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر بالنعم والمصائب فهذه لون وفتنة المشركين لون ، وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر، والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب علي ومعاوية وبين أهل الجمل ، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا و يتهاجروا لون آخر . (زاد المعاد 3 /170).

أنواع الفتن:

لا شك أن الفتن كثيرة، وتكثر وتتجدد في آخر الزمان، والإنسان يعايش الفتن في جميع حياته ومن هذه الفتن على سبيل الذكر لا الحصر:

• فتنة المال والأولاد: قال تعالى: ” وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ” الأنفال: 28.

قال أبو جعفر الطبري – رحمه الله -: قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: واعلموا، أيها المؤمنون، أنما أموالكم التي خوَّلكموها الله، وأولادكم التي وهبها الله لكم، اختبارٌ وبلاء، أعطاكموها ليختبركم بها ويبتليكم، لينظر كيف أنتم عاملون من أداء حق الله عليكم فيها، والانتهاء إلى أمره ونهيه فيها. ” وأن الله عنده أجر عظيم “، يقول: واعلموا أن الله عنده خيرٌ وثواب عظيم، على طاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم، في أمولكم وأولادكم التي اختبركم بها في الدنيا . وأطيعوا الله فيما كلفكم فيها، تنالوا به الجزيل من ثوابه في معادكم.

• فتنة الزوجة: قال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” التغابن: 14.

قال الطبري – رحمه الله -: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله ( إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ) يصدونكم عن سبيل الله، ويثبطونكم عن طاعة الله ( فَاحْذَرُوهُمْ ) أن تقبلوا منهم ما يأمرونكم به من ترك طاعة الله.

فليس معنى احذروهم: أنكم تعادونهم، وتبتعدون عنهم، وتقاطعونهم، ولكن المعنى: أنكم تحذرون فتنتهم، وتحذرون الانحياز معهم؛ إذا تعارضت محبتهم مع محبة الله ورسوله، بل قدموا محبة الله ورسوله على محبة الزوجات والأولاد والأموال، وحينئذ يصلح الله لكم الزوجات والأولاد.

• الخير والشر فتنة: قال تعالى: “وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ” الأنبياء: 35.

قال الطبري – رحمه الله -: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) يقول تعالى ذكره: ونختبركم أيها الناس بالشر وهو الشدة نبتليكم بها، وبالخير وهو الرخاء والسعة العافية فنفتنكم به.

• فتنة الناس بعضهم لبعض: قال تعالى: ” وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا” الفرقان: 20.

قال الطبري – رحمه الله -: وقوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) يقول تعالى ذكره: وامتحنا أيها الناس بعضكم ببعض، جعلنا هذا نبيا وخصصناه بالرسالة، وهذا ملِكا وخصصناه بالدنيا، وهذا فقيرًا وحرمناه الدنيا لنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغنيّ، والملك بصبره على ما أعطيه الرسول من الكرامة، وكيف رضي كل إنسان منهم بما أعطى، وقسم له، وطاعته ربه مع ما حرم مما أعطى غيره.

• فتنة الدين: ذكر الله تعالى في سورة البروج حادثة أصحاب الأخدود في قوله تعالى: ” إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ” البروج: 10، أي: ابتلوهم وامتحنوهم واختبروهم في دينهم، وقصة هؤلاء ذكرها الإمام مسلم في صحيحه َعَنْ صُهَيْبٍ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فيِمَنْ كَانَ قبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِك: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابعَثْ إِلَيَّ غُلاَماً أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلاَماً يعَلِّمُهُ، وَكَانَ في طَريقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلاَمهُ فأَعْجَبهُ، وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بالرَّاهِب وَقَعَدَ إِلَيْه، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِر فَقُلْ: حبَسَنِي أَهْلي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحرُ. فَبيْنَمَا هُو عَلَى ذَلِكَ إذْ أتَى عَلَى دابَّةٍ عظِيمَة قدْ حَبَسَت النَّاس فَقَالَ: اليوْمَ أعْلَمُ السَّاحِرُ أفْضَل أم الرَّاهبُ أفْضلَ؟ فأخَذَ حجَراً فقالَ: اللهُمَّ إنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهب أحَبَّ إلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فاقتُلْ هَذِهِ الدَّابَّة حتَّى يمْضِيَ النَّاسُ، فرَماها فقتَلَها ومَضى النَّاسُ، فأتَى الرَّاهب فأخبَرهُ. فَقَالَ لهُ الرَّاهبُ: أىْ بُنيَّ أَنْتَ اليوْمَ أفْضلُ منِّي، قدْ بلَغَ مِنْ أمْركَ مَا أَرَى، وإِنَّكَ ستُبْتَلَى، فإنِ ابْتُليتَ فَلاَ تدُلَّ عليَّ، وكانَ الغُلامُ يبْرئُ الأكْمةَ والأبرصَ، ويدَاوي النَّاس مِنْ سائِرِ الأدوَاءِ. فَسَمعَ جلِيسٌ للملِكِ كانَ قدْ عمِىَ، فأتَاهُ بهداياَ كثيرَةٍ فقال: ما هاهُنَا لَكَ أجْمَعُ إنْ أنْتَ شفَيْتني، فَقَالَ إنِّي لا أشفِي أحَداً، إِنَّمَا يشْفِي اللهُ تعَالى، فإنْ آمنْتَ بِاللَّهِ تعَالَى دعوْتُ اللهَ فشَفاكَ، فآمَنَ باللَّه تعَالى فشفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، فأتَى المَلِكَ فجَلَس إليْهِ كَما كانَ يجْلِسُ فقالَ لَهُ المَلكُ: منْ ردَّ علَيْك بصَرك؟ قَالَ: ربِّي. قَالَ: ولكَ ربٌّ غيْرِي؟، قَالَ: رَبِّي وربُّكَ اللهُ، فأَخَذَهُ فلَمْ يزلْ يُعذِّبُهُ حتَّى دلَّ عَلَى الغُلاَمِ فجئَ بِالغُلاَمِ، فَقَالَ لهُ المَلكُ: أي بُنَيَّ قدْ بَلَغَ منْ سِحْرِك مَا تبْرئُ الأكمَهَ والأبرَصَ وتَفْعلُ وَتفْعَلُ فقالَ: إِنَّي لا أشْفي أَحَداً، إنَّما يشْفي الله تَعَالَى، فأخَذَهُ فَلَمْ يزَلْ يعذِّبُهُ حتَّى دلَّ عَلَى الرَّاهبِ، فجِئ بالرَّاهِبِ فَقيلَ لَهُ: ارجَعْ عنْ دِينكَ، فأبَى، فدَعا بالمنْشَار فوُضِع المنْشَارُ في مفْرقِ رأْسِهِ، فشقَّهُ حتَّى وقَعَ شقَّاهُ، ثُمَّ جيء بجَلِيسِ المَلكِ فقِيلَ لَهُ: ارجِعْ عنْ دينِكَ فأبَى، فوُضِعَ المنْشَارُ في مفْرِقِ رَأسِهِ، فشقَّهُ به حتَّى وقَع شقَّاهُ، ثُمَّ جيء بالغُلامِ فقِيل لَهُ: ارجِعْ عنْ دينِكَ، فأبَى، فدَفعَهُ إِلَى نَفَرٍ منْ أصْحابِهِ فَقَالَ: اذهبُوا بِهِ إِلَى جبَلِ كَذَا وكذَا فاصعدُوا بِهِ الجبلَ، فإذَا بلغتُمْ ذروتهُ فإنْ رجعَ عنْ دينِهِ وإِلاَّ فاطرَحوهُ فذهبُوا بِهِ فصعدُوا بهِ الجَبَل فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكفنِيهمْ بمَا شئْت، فرجَف بِهمُ الجَبَلُ فسَقطُوا، وجَاءَ يمْشي إِلَى المَلِكِ، فقالَ لَهُ المَلكُ: مَا فَعَلَ أَصحَابكَ؟ فقالَ: كفانيهِمُ الله تعالَى، فدفعَهُ إِلَى نَفَرَ منْ أصْحَابِهِ فَقَالَ: اذهبُوا بِهِ فاحملُوه في قُرقُور وَتَوسَّطُوا بِهِ البحْرَ، فإنْ رَجَعَ عنْ دينِهِ وإلاَّ فَاقْذفُوهُ، فذَهبُوا بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكفنِيهمْ بمَا شِئْت، فانكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفينةُ فغرِقوا، وجَاءَ يمْشِي إِلَى المَلِك. فقالَ لَهُ الملِكُ: مَا فَعَلَ أَصحَابكَ؟ فَقَالَ: كفانِيهمُ الله تعالَى. فقالَ للمَلِكِ إنَّك لسْتَ بقَاتِلِي حتَّى تفْعلَ مَا آمُركَ بِهِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تجْمَعُ النَّاس في صَعيدٍ واحدٍ، وتصلُبُني عَلَى جذْعٍ، ثُمَّ خُذ سهْماً مِنْ كنَانتِي، ثُمَّ ضعِ السَّهْمِ في كَبدِ القَوْسِ ثُمَّ قُل: بسْمِ اللَّهِ ربِّ الغُلاَمِ ثُمَّ ارمِنِي، فإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتنِي. فجَمَع النَّاس في صَعيدٍ واحِدٍ، وصلَبَهُ عَلَى جذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سهْماً منْ كنَانَتِهِ، ثُمَّ وضَعَ السَّهمَ في كبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِسْم اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ، ثُمَّ رمَاهُ فَوقَعَ السَّهمُ في صُدْغِهِ، فَوضَعَ يدَهُ في صُدْغِهِ فمَاتَ. فقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلاَمِ، فَأُتِىَ المَلكُ فَقِيلُ لَهُ: أَرَأَيْت مَا كُنْت تحْذَر قَدْ وَاللَّه نَزَلَ بِك حَذرُكَ. قدْ آمنَ النَّاسُ. فأَمَرَ بِالأخدُودِ بأفْوَاهِ السِّكك فخُدَّتَ وَأضْرِمَ فِيها النيرانُ وقالَ: مَنْ لَمْ يرْجَعْ عنْ دينِهِ فأقْحمُوهُ فِيهَا أوْ قيلَ لَهُ: اقْتَحمْ، ففعَلُوا حتَّى جَاءتِ امرَأَةٌ ومعَهَا صَبِيٌّ لهَا، فَتقَاعَسَت أنْ تَقعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الغُلاَمُ: يَا أمَّاهْ اصبِرِي فَإِنَّكَ عَلَي الحَقِّ” أخرجه مسلم.

فهذا الغلام إن خسر الدنيا فقد فاز؛ أنه زحزح عن نار الآخرة، وهذه المرأة المؤمنة إلقاؤها في نار الدنيا فتنة، ولكن فتنتها في دينها وصرفها عنه أعظم من قتلها، فإن خسرت الدنيا فقد فازت؛ لأنها زُحزحت عن نار الآخرة.

ولعلي أقف عند هذا الحدّ مخافة السآمة والملل من جانب القارئ الكريم، وأكمل في مقال قادم بمشيئة الله تعالى إن قدر الله لنا البقاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.