الطريق البديل

“الصراع على الهوية وأثره في الدعوة إلى الله”بقلم: د. عصام عبد ربه مشاحيت عضو الجمعية الفقهية السعودية

عضو الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة عضو الهيئة الاستشارية العليا منصة أريد للعلماء والخبراء والباحثين الناطقين بالعربية

0 900

الهوية في الأصل، مصطلح فلسفي(يدل على ما به يكون الشيء هو نفسه, وتستعمل كلمة هوية للتعبر عن خاصة المطابقة: مطابقة الشيء لنفسه، أو مطابقته لمثيله) (الموسوعة الفلسفية العربية لمجموعة من المؤلفين، معهد الإنماء العربي، رئيس التحرير د. معن زيادة، 1 / 821 باختصار.).ثم استخدمت في البحوث الثقافية المعاصرة, للتعبير عن خصائص كل أمة, وما تتميز به من تراث وتاريخ وحضارة.

والمعضلة, التي تواجه الدعوة في الواقع المعاصر، انقسام آراء النخبة المثقفة, وعدم اتفاقها على هوية واحدة، مما ولِّد صراعاً شديداً حول الهوية الحضارية للأمة المسلمة، بين فكر شيوعي اشتراكي, وآخر عروبي قومي, وتيار ليبرالي علماني، وبين ذلك فكر إسلامي منقسم على نفسه.

فهذا الخليط العجيب, والتراكم الغريب, جعل العالم الإسلامي ساحة حرب فكرية, وكلامية لا يهدأ أوارها، استتبع تيها حضاريا، خَلّف تشرذماً سياسياً وتخلفاً اقتصادياً وهزائم عسكرية مزرية، وانعكست تلك الآثار على واقع الدعوة الإسلامية، التي رأت فيها التيارات المناهضة للإسلام، خطراً يهدد حاضرها ومستقبلها.

وساعد على ذلك حماقة ورعونة بعض من ينتسب إلى الدعوة, فأدى إلى الدخول في التورط في أعمال متهورة وتصرفات رعناء ضارة، ما أوجد صراعا بين الإسلام والعلمانية من جهة, وبين الإسلام والفئات المنحرفة عنه من جانب آخر، انتهى بدوره إلى تأزم الصراع بصورة دورية، يطفو أحيانا حتى يصل إلى حد الصراع المسلح، ويخبو أحيانا أخرى كمثابة النار تحت الرماد، ليثور بصورة مفاجئة متى سنحت الفرصة لنشاطه.

وليس من شك, أن العناصر المتطرفة من مختلف الأطياف الفكرية, تقف وراء تأجيج ذلك الصراع، كلما بدت ظروف مناسبة أو لاح في الأفق بوادر فتنة، ولا تزال قابلة للتجديد، حتى ينتهي الصراع الطويل الأمد حول الهوية, الذي يتغذى باستمرار من سوء الفهم للإسلام من جانب العلمانية ورموزها, وسوء تقدير وتعامل من بعض الإسلاميين، أدى إلى الدوران في تلك الحلقات المفرغة، مع الاعتراف بالدور الكبير الذي ترعاه دوائر الفكر الغربي في الضغط المباشر والخفي المقترن بالترهيب والترغيب في كل اتجاه.

الأمر الذى يوسع شقة الخلاف ويأزم الموقف ويدعم الخيار العلماني، ليس من أجل بعث نهضة حضارية حقيقية وإنما لإبقاء نفوذه وتعميق تبعيته، والتأليب ضد كل ما يتصل إلى الإسلام بصلة، والحق أن الطروحات النهضوية في الإسلام لا تتنافى مع المبادئ الإنسانية, التي خلُص إليها الفكر الغربي بعد طول عناء مثل الحرية والمساواة والعدالة، ورفض الفساد والتدمير وصيانة حقوق الآخرين وذم الفوضى، والعناية البالغة بالعمران البشري.

وليس بالعسير إقامة حوار عقلاني وهادئ بين الإسلام الصحيح والعلمانية المعتدلة، لإيجاد القواسم المشتركة لفض النزاع والصراع الطويل داخل العالم الإسلامي حول مختلف القضايا المتنوعة، وسوف يجد العلمانيون المعتدلون بغيتهم النهضوية من خلال قدرة الإسلام على الصياغة العصرية المؤثرة لسائر المعضلات الشائكة دون تنازل أو تنكر للثوابت الشرعية, شريطة كبح جماح التيار المتطرف لدى الطرفين ). انظر: الدعوة في الواقع المعاصر، د. غازي المطيري، ص 205: 207 – بتصرف يسير).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.