الطريق البديل

أسباب زوال النعمة ومحق البركة في ضوء الكتاب والسنة (4) بقلم: د. عصام عبد ربه مشاحيت عضو الجمعية الفقهية السعودية

عضو الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة عضو الهيئة الاستشارية العليا منصة أريد للعلماء والخبراء والباحثين الناطقين بالعربية

0 1٬003

انتهينا في الحلقة الماضية من السبب السادس من أسباب زوال النعمة ومحق البركة (التفرق على الطعام وترك الاجتماع عليه)، ووصلا لما سبق أقول وبالله التوفيق:
السبب السابع: سؤال الناس من غير حاجة:
لا شك أن سؤال الناس غير مستحب في الشرع على كل الأحوال، لما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث الزبير بن العوام – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُم أَحبُلَهُ، ثُمَّ يَأْتِيَ الجَبَلَ، فَيَأْتِي بحُزْمَةٍ مِن حَطَبٍ عَلى ظَهْرِهِ فَيَبيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّه بِهَا وَجْهَهُ؛ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَن يَسأَلَ النَّاسَ: أَعْطَوْهُ، أَوْ مَنَعُوهُ”.
وعن أبي هُريرة – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه – صلى الله عليه وسلم -: “لأَنْ يحتَطِبَ أَحَدُكُم حُزمَةً عَلَى ظَهرِه، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسأَل أَحَدًا، فَيُعطيَه أَو يمنَعَهُ” متفق عليه.
فالنبي – صلى الله عليه وسلم – يبين لنا أن عملا مَهما كان متواضعا في نظر عامة الناس يعمل به العبد يتكسب منه رزقه، خير له من أن يسأل الناس.
ولا شك أيها القارئ الكريم أن الصبر على قلة ذات اليد والفقر خيرا من المسألة، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ” إِنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ : ” مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ” (البخاري ومسلم).
وجاء ذم المسألة أُخرويا، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ “. (البخاري ومسلم).
أما ذم المسألة من جهة محق البركة، فعن حكيم بن حزام – رضي الله عنه – قال: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: ” يَا حَكِيمُ، إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى.

قَالَ حَكِيمُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يَدْعُوَ حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا. ثُمَّ إنَّ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ لَهُ فِي هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ.

فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى تُوُفِّيَ.
فلا شك أن السؤال من غير حاجة ملحة سبب في محق بركته، فالذي يأخذ المال فإنه وإن كان بأخذه له يزداد مالا ورزقا، لكنه في الحقيقة منزوع البركة، فلا يغني عنه شيئا، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – ضرب لهذا مثلا في قوله: ” وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ “، فهو يزداد من الطعام، لكنه لا يغني عنه شيئا، فلا يسد حاجة عنده.
السبب الثامن: الانصراف إلى الدنيا:
لا يخفى على كل ذي لُب أن الله – سبحانه وتعالى – خلق الخلق ليعبدوه، فالغاية التي من أجلها خلق الله الخلق هي عبادته سبحانه، والدنيا ما هي إلا وسيلة يتوسل بها العبد على هذه العبادة، وتكفل الله عز وجل لهم بالرزق سواء كانوا عابدين له أو كافرين به، قال تعالى: ” مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ” ( الذاريات: 56- 58) ، لكن الله سبحانه وتعالى فرق بين من انصرف إلى عبادته وبين من انصرف إلى الدنيا بأن يبارك الله عز وجل للأول في رزقه,

الذي قدره له فيستمتع به على محدوديته، وأن يمحق بركة الثاني وينزعها من رزقه الذي قدره له أيضا، فيكون بانصرافه إلى الدنيا يزداد منها لكنه لا يهنأ له عيش ، فقد روى الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أنه سمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول:” مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ، جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ ” ( صححه الألباني في السلسلة الصحيحة).
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال” إنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: يا ابنَ آدمَ تفرَّغْ لعبادتي أملأْ صدرَكَ غنًى وأسدَّ فقرَكَ وإلا تفعَل ملأتُ يديْكَ شغلاً، ولم أسدَّ فقرَكَ” (صححه الألباني في صحيح الترمذي).
السبب التاسع: كثرة الحلف في المعاملات، أو الكذب فيه:
لا شك أن كثرة الحلف في المعاملات بصفة عامة، وفي البيع بصفة خاصة، حتى ولو كان الحالف صادقا، يمحق بركة هذا البيع وإن كان في الظاهر خلاف ذلك، فعن أبي قتادة الأنصاري السلمي أنه سمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ” إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفّق ثم يمحق” (أخرجه مسلم)، وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: سمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ” الحلف مَنْفَقَة للسلعة، مَمْحَقة للبركة” (البخاري ومسلم).
ففي الحديثين نهي وتحذير عن كثرة الحلف في البيع، كما هي عادة أهل السوق، فهو وإن كان مَظِنَّة لرواج السلعة ونَفَاقِها، إلا أنه سبب لذَهاب البركة ورفعها، والمراد من محق البركة: عدم انتفاعه به دينًا ودنيا.

هذا إن كان الحلف صادقًا، أما إن كان كاذبًا، فهو يجمع إلى ذم هذا الفعل وكراهته كبيرةً من الكبائر، مع ما يعقب ذلك من العقاب الرباني له يوم القيامة، فهو من جملة أولئك الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة كلامًا يَرضى به عنهم، بل بكلام يدلُّ على السخط، أو لا يرسل إليهم ملائكته بالتحية أو بالبشارة بالنَّجاة بالرحمة، ولا ينظر إليهم نظر رحمة وتلطف، وفي ذلك إهانة لهم واستحقار، ولا يُطهِّرهم عن أدران الذنوب بمياه مغفرته،

فعن أبي ذر – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ” ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذاب أليم”، قال: فقرأها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثلاث مرات، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟! قال: ” المسبل، والمنان، والمنفِّق سلعتَه بالحلف الكاذب”( أخرجه مسلم ).
و قد نصح النبي – صلى الله عليه وسلم – التجار أن يَخلطوا بيعهم بالصدَقة؛ لتكون كفارة لما يَبدر منهم من حلفٍ وكذب؛ فعن قيس بن أبي غرزة قال: كنا نُسمَّى السماسرة، فأتانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ونحن نبيع، فسمانا باسمٍ هو خير مِن اسمنا، فقال: ” يا معشر التجار، إنَّ هذا البيع يحضره الحلف والكذب، فشوبوا بيعكم بالصدقة” (رواه أحمد في مسنده).
ويبقى النهي عن الحلف في البيع والشراء هو الأصل، فالصادق لا يَحتاج في تعاملاته إلى الحلف، إلا إذا أُلجئ إلى ذلك وتحتَّم عليه، فيحلف صادقًا، وأما الحلف الكاذب، فلا شكَّ أنه كبيرة من الكبائر، وهو محرَّم في كل الأحوال.
السبب العاشر: الأكل من ذروة الطعام أو وسطه:
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما – عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ وَلَكِنْ لِيَأْكُلْ مِنْ أَسْفَلِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا ” (رواه أبو داود)، وفي لفظ لابن ماجه: ” إِذَا وُضِعَ الطَّعَامُ فَخُذُوا مِنْ حَافَتِهِ وَذَرُوا وَسَطَهُ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهِ ” (صححه الألباني في “صحيح أبي داود” وغيره).
فالبركة التي هي من عند الله، تنزل على رأس الطعام وأعاليه، ثم تنحدر إلى جوانبه، فأرشد النبي – صلى الله عليه وسلم – المسلمين إلى المحافظة عليها بأن يأكلوا من جوانب القصعة، حيث تنزل البركة إلى تلك الجوانب، فيأخذ كل واحد نصيبه منها.
ونهى – صلى الله عليه وسلم – أن يأكلوا من رأسها وأعلاها؛ لأنهم متى فعلوا ذلك ذهبت البركة من الطعام، وربما لم يصب أحدهم منها شيئا؛ لأن أعلاها فيه البركة، ومتى ذهب بعضهم بأعلاها ذهبت البركة، ولم يبق شيء ينحدر منها من أعلاها إلى جوانبها، وفي هذا من سوء الأدب وسوء العشرة والشره والحرص وعدم القناعة ما يجعل الناس يشمئزون وينفرون من الطعام ومن مجلسه، وبذلك تذهب البركة أو تقل.

قال الصنعاني رحمه الله:” دل على النهي عن الأكل من وسط القصعة، وعلله بأنه تنزل البركة في وسطها، وكأنه إذا أكل منه لم تنزل البركة على الطعام “. انتهى من “سبل السلام” (3 /160).
هذا ما يسر الله جمعه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.