الطريق البديل

أسباب زوال النعمة ومحق البركة في ضوء الكتاب والسنة (2) بقلم: د. عصام عبد ربه مشاحيت عضو الجمعية الفقهية السعودية-عضو الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة-عضو الهيئة الاستشارية العليا لمنصة أريد للعلماء والخبراء والباحثين الناطقين بالعربية

0 686

تحدثنا في المقال السابق, حول السبب الأول والثاني من أسباب زوال النعمة, ومحق البركة وهما: كفران النعمة، وازدراء النعمة، ووصلاً لما سبق نقول وبالله التوفيق:

السبب الثالث: منع الزكاة المفروضة: لا يخفى على كل ذي لُب, أن للزكاة أهمية عظيمة؛ فهي الركن الثالث من أركان الإسلام الخمسة, وقد قرن الله -عز وجل- في كتابه في مواضع كثيرة بين الصلاة -أعظم ركن من أركان الإسلام بعد الشهادتين- وبين الزكاة، وما ذلك إلا لأهمية شأنها في هذا الدين، ومن المعلوم أنه كلما ازدادت أهمية شعيرة من شعائر دين الإسلام, كان تركها أشد خطراً على الفرد, وعلى المجتمع في الدنيا والآخرة.

وقد أمر الله -عز وجل- نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، بأخذ الزكاة من العباد, فقال سبحانه مخاطبا نبيه-صل الله عليه وسلم-: ” خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (التوبة: 103), أي خذ يا محمد – صلى الله عليه وسلم – من أموال المؤمنين صدقة, سواء كانت مفروضة كالزكاة المفروضة، أو من التطوع، تطهرهم بها من دنس البخل والطمع.

وثبت عن النبي – صل الله عليه وسلم – أنه قال:( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله, وأن محمدا رسول الله, ويقيموا الصلاة, ويؤتوا الزكاة…) الحديث (أخرجه البخاري ومسلم), وكما نعلم أن الصديق أبا بكر – رضي الله عنه – قاتل مانعي الزكاة بعد وفاة رسول الله – صل الله عليه وسلم –، وقال رضي الله عنه: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة, فإن الزكاة حق المال), (أخرجه البخاري ومسلم).

فهي فرض بإجماع المسلمين، فمن أنكر وجوبها فقد كفر، إلا أن يكون حديث عهد بإسلام، أو ناشئ في بادية بعيدة عن العلم وأهله فيعذر، ولكنه يُعلّم، وإن أصر بعد علمه فقد كفر مرتدًّا، وأما من منعها بخلاً وتهاوناً ففيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يكفر، وهو إحدى روايتين عن الإمام أحمد، ومنهم من قال: إنه لا يكفر، وهذا هو الصحيح، ولكنه قد أتى كبيرة عظيمة, مما سبق يتبين لنا خطورة منعها.

وتتمثل خطورة منعها في جوانب كثيرة، لكن ما يعنينا في هذا المقام, أن نبين أثر منعها على رزق صاحب المال، وكيف يؤدي منعها إلى زوال النعمة, ومحق البركة, فمن ذلك: 1- قال تعالى: “إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ”( القلم 17:28).

هذا المثل, الذي ضربه الله تعالى لكفار قريش، ولكل إنسان, أعطاه الله نعمًا من المال، والولد، والصحة، والعمر، ونحو ذلك، ثم حمله هذا على الأشر، والبطر، والبخل، ومعصية الله سبحانه وتعالى، ومحاربته، ولم يؤد حق الله فيما أنعم عليه، فإن عذاب الله له بالمرصاد؛ لأن كلمة العذاب إذا حقت وقعت، فيمحق الله النعمة، ويسلبها من صاحبه إياها، هذا غير ما ينتظره يوم القيامة من العذاب الشديد، “إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ “.

إذًا هناك ابتلاء، واختبار كل صاحب نعمة يجب أن يعلم بأنه مبتلى، ومختبر من الله بهذه النعمة، سواء كانت مال، منصب، زوجة، أولاد، صحة، عمر، بيت، استقرار، أمن، وهكذا مكانة اجتماعية، إذًا هي ابتلاء، ما أعطيتها إلا وأنت مختبر ممتحن، “كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ”، البستان العظيم المشتمل على ألوان الثمار والفواكه، لقد أينعت أشجارها، وزهت أثمارها، وحان وقت صرامها وقطافها.

وجزموا أنها في أيديهم، وطوع أمرهم، وأنهم مستحوذون عليها، ليس هناك مانع يمنعهم -في ظنهم- منها، ولذلك “أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ”، حلفوا ليقطعن ثمارها في الصباح الباكر، لماذا يريدون التبكير بقطع الثمار؟ -لئلا يعلم بهم الفقير والسائل؛ ولكي يستحوذوا على الثمر كله، ولا يتركوا منه شيئًا، ولم يعلموا أن الله سبحانه وتعالى لهم بالمرصاد، لدرجة أنهم لا يستثنون، “وَلَا يَسْتَثْنُونَ”، لم يقولوا: إن شاء الله فيما حلفوا عليه.

بل عزموا على الفعل، وهكذا فإنهم لم يستثنوا في الحلف، ولم يستثنوا فقيرًا ولا مسكينًا من المنع، “إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ “، لا يستثنون أحدًا من المستحقين، لو كان فيهم خير لقالوا: سنأخذ الثمار إلا ما نعطيه أصحاب الحاجات، إلا ما خصصناه للفقراء، لكن لقد استقر رأيهم على أن يقطعوا الثمار في الصباح الباكر, دون أن يستثنوا شيئًا للمساكين، وهنا حلت العقوبة، أليس قد عزموا على المعصية؟

بيتوا الأمر بالليل، بيتوا الجريمة، خططوا لها،”فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ“، ما هو هذا الطائف؟ آفة سماوية، عذاب نزل من السماء من الله -سبحانه وتعالى-، أتى ليلاً، “وَهُمْ نَائِمُونَ”، والطائف بلغة العرب لا يكون إلا ليلاً، فإذا قال: فَطَافَ عَلَيْهَا يعني: بالليل، وَهُمْ نَائِمُونَ مستغرقون في سباتهم، غافلون عن مكر الله بهم، “فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ”، كالليل الأسود في احتراقها، وكالبستان الذي قطع ثماره فلم يبق منه شيء.

“كَالصَّرِيمِ” مصروم، “فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ” على حسب اتفاقهم السابق، وهم على الخطة سائرون، ونادى بعضهم بعضًا ليذهبوا إلى الجذاذ والصرام وقطع الثمار، “فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ”، هلموا، هيا لنذهب، “أَنِ اغْدُوا”، اخرجوا غدوة أول النهار، “عَلَى حَرْثِكُمْ”، بستانكم، “إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ”، تريدون جني ثماره، إن كنتم عازمين على رأيكم، وصارمين فيما أردتموه، “فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ”، يتناجون فيما بينهم بحيث لا يُسمعون أحدًا كلامهم.

مسرين بالكلام خوفًا من أن يصل الخبر إلى أسماع الفقراء، ولكن وصلت هذه المخافتة، لقد علم الله خبرها، يعلم السر وأخفى-سبحانه-، كيف يخفى عليه هذه المخافتة؟ “فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ”, يتواصون فيما بينهم بحرمان الفقراء، يتواصون فيما بينهم ويتعاهدون بألا يبذلوا منها شيئًا لله، انظروا إلى هذه الجريمة, ما أبشعها، انظروا إلى هذه النية السيئة, ما أعظمها وأسوأها،” فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ”.
هذه هي الخطة اليوم، ولا واحد, ولا مسكين, لا تمكنوا فقيرًا يدخل عليكم، سنغلق علينا ونقطف الثمار، ولن نعطي أحدًا منها شيء، البخل ومنع حق الله في الثمرة، ومنع الفقراء من نصيبهم، ولذلك أمرنا الله بقوله تعالى: “وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ”, لقد انطلق هؤلاء النفر، “وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ” أي: جد، وقصد، وغيظ، وغضب، وقوة، وشدة، “وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ” على إمساك ومنع لحق الله، هذه النفوس المريضة.

هذه النفوس المملوءة بالغضب والغيظ لا يمكن أن تعطي الآخرين شيِئًا، “وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ” في زعمهم، وفي ظنهم أنهم سيستطيعون، وأن المساكين لن ينالوا شيئًا, وعندما وصلوا إلى المكان، ونظروا فيه ظنوا أن العنوان خطأ، “فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ”, فلما أشرفوا عليها، وإذا هي محترقة سوداء، اعتقدوا أنهم أخطأوا الطريق، سلكوا طريقًا غير الطريق المعتاد، ليست هذه جنتنا، ولا هذا بستاننا، ليس هذا مكاننا.

ليس هذا الذي نعرفه، هذا يختلف تمامًا، إذًا نحن ضللنا الطريق، “إِنَّا لَضَالُّونَ” لكن لما تأكدوا، ونظروا، ورجعوا، وفكروا، فإذا هي هي، هذا هو المكان، ولذلك اكتشفوا الحقيقة فقالوا: “بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ” أي: حرمنا الله جنتنا بعزمنا على المعصية، اكتشفوا الحقيقة الهائلة، وماذا حصل في الليل، وأدركوا أن الله انتقم منهم، وهنا سيرجع بعضهم باللوم على بعض، ويظهر الأسف والحزن، وتعلو الكآبة الوجوه لحجم الكارثة, فيتبين لنا من هذه القصة أن منع الزكاة سبب يوجب إما محق المال كله الذي هو رزق العبد أو تمحق بركته بقدر ما ينتقص العبد من الزكاة.

2- عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: أقبل علينا رسول الله – صل الله عليه وسلم – فقال: “يا معشر المهاجرين، خمسٌ إذا ابتليتم بهن -وأعوذ بالله أن تدركوهن-, لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ, حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع, التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم يُنقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين, وشدة المؤونة, وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله, إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم, فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله, ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم” رواه ابن ماجه في سننه.

الشاهد هنا: قول النبي –صل الله عليه وسلم-: “ولم يمنعوا زكاة أموالهم, إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا”, يشير النبي – صل الله عليه وسلم – إلى أن منع الزكاة, وعدم إخراجها أو التحايل على ذلك، تكون عقوبته العاجلة, هي منع القطر عنهم، ولولا وجود البهائم, ما نزل عليهم المطر من السماء؛ لأنهم لا يستحقونه، لكونهم لم يُخرجوا حق الفقراء في مالهم.

وهذا يوضح سبب الجدب, الذي ضرب أطنابه في الأرض، رغم أن الناس يستسقون, ويستغيثون الله-عز وجل-ويطلبون منه المطر، وما ذاك إلا لأن الناس صاروا يتهاونون في إخراج زكاة أموالهم، وحينما يبخل الناس بالزكاة, فإن الله تعالى يمنع عنهم المطر، الذي هو وسيلة لحياتهم، ولولا رحمة الله-عز وجل- بالبهائم, ما أُمطِرت الأرض أبداً.
ولعلي أقف عند هذا الحدّ, مخافة السآمة والملل من جانب القارئ الكريم، وأكمل في مقال قادم بمشيئة الله -تعالى إن قدر الله لنا البقاء-.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.